تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا} (72)

63

المفردات :

لا يشهدون الزور : لا يقيمون الشهادة الكاذبة ، والمراد : أنهم لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم .

اللغو : ما ينبغي أن يلغى ويطرح مما لا خير فيه .

كراما : مكرمين أنفسهم عن الخوض فيه .

التفسير :

72-{ والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما }

من صفات عباد الرحمان أنهم لا يشهدون شهادة الزور والكذب ، ففيها تضليل العدالة ، وتضييع الحقوق .

وفي الصحيحين عن أبي بكرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ ) ثلاثا ، قلنا : بلى يا رسول الله . قال : ( الشرك بالله ، وعقوق الوالدين ، وكان متكئا فجلس ، فقال : ( ألا وقول الزور ، ألا وشهادة الزور ) فما زال يكررها حتى قلنا : ليته سكت31 .

وقيل : معنى : لا يشهدون الزور . . لا يحضرون مجالس الخمر ، أو اللغو والغناء ، أو مجالس السوء والخنا .

وأرى أنه يمكن الجمع بين الرأيين ، بأن من صفات عباد الرحمان : عدم شهادة الزور ، وعدم الجلوس في أماكن الريبة ، أو شرب الخمر ، أو ارتكاب المعصية .

{ وإذا مروا باللغو مروا كراما }

إذا مروا عرضا على مجالس اللغو واللهو ، أعرضوا عنها حفاظا على أنفسهم وأسماعهم وأبصارهم ، وانصرفوا كراما على أنفسهم وعلى ربهم .

وقريب من هذه الآية قوله تعالى : { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين } [ القصص : 55 ] .

إن المؤمن له من أمر دينه وربّه ، ما يشغله ويصرفه عن حضور مجالس اللغو واللهو ، التي تذبح فيها الفضيلة ، ويضيع الحياء ، والمؤمن يصون لسانه وسمعه وفؤاده من التلوث بالباطل واللغو ، قال تعالى : { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } [ الإسراء : 36 ] .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا} (72)

{ والذين لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ } أي لا يقيمون الشهادة الكاذبة كما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه . والباقر رضي الله تعالى عنه فهو من الشهادة ، و { الزور } منصوب على المصدر أو بنزع الخافض أي شهادة الزور أو بالزور ، ويفهم من كلام قتادة أن الشهادة هنا بمعنى يعم ما هو المعروف منها ، أخرج عبد بن حميد . وابن أبي حاتم عنه أنه قال : أي لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم ولا يؤملونهم فيه .

وأخرج جماعة عن مجاهد أن المراد بالزور الغناء ، وروي نحوه عن محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنه ، وضم الحسن إليه النياحة ، وعن قتادة أنه الكذب ، وعن عكرمة أنه لعب كان في الجاهلية ، وعن ابن عباس أنه صنم كانوا يلعبون حوله سبعة أيام ، وفي رواية أخرى عنه أنه عيد المشركين وروي ذلك عن الضحاك ، وعن هذا أنه الشرك فيشهدون على هذه الأقوال من الشهود بمعنى الحضور ، و { الزور } مفعول به بتقدير مضاف أي محال الزور ؛ وجوز أن يراد بالزور ما يعم كل شيء باطل مائل عن جهة الحق من الشرك والكذب والغناء والنياحة ونحوها فكأنه قيل : لا يشهدون مجالس الباطل لما في ذلك من الإشعار بالرضا به ، وأيضاً من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه { وَإِذَا مَرُّواْ } على طريق الاتفاق { باللغو } بما ينبغي أن يلغى ويطرح مما لا خير فيه { مَرُّواْ كِراماً } أي مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه معرضين عنه .

وفسر الحسن اللغو كما أخرج عنه ابن أبي حاتم بالمعاصي ، وأخرج هو . وابن عساكر عن إبراهيم بن ميسرة قال : بلغني أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرَّ بلهو معرضاً ولم يقف فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريماً ثم تلا إبراهيم { وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً } .

وقيل : المراد باللغو الكلام الباطل المؤذي لهم أو ما يعمه والفعل المؤذي وبالكرم العفو والصفح عمن آذاهم ، وإليه يشير ما أخرجه جماعة عن مجاهد أنه قال في الآية : إذا أوذوا صفحوا وجعل الكلام على هذا بتقدير مضاف أي إذا مروا بأهل اللغو أعرضوا عنهم كما قيل :

ولقد أمر على اللئيم يسبني *** فمضيت ثمت قلت لا يعنيني

ولا يخفى أنه ليس بلازم ، وقيل : اللغو القول المستهجن ، والمراد بمرورهم عليه إتيانهم على ذكره وبكرمهم الكف عنه والعدول إلى الكناية ، وإليه يومىء ما أخرجه جماعة عن مجاهد أيضاً أنه قال : فيها كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح كنوا عنه ، وعمم بعضهم وجعل ما ذكر من باب التمثيل ، وجوز أن يراد باللغو الزور بالمعنى العام أعني الأمر الباطل عبر عنه تارة بالزور لميله عن جهة الحق وتارة باللغو لأنه من شأنه أن يلغى ويطرح ، ففي الكلام وضع المظهر موضع المضمر ، والمعنى والذين لا يحضرون الباطل وإذا مروا به على طريق الاتفاق أعرضوا عنه .

ومن باب الإشارة : { والذين لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ } لا يحضرون مجالس الباطل من الأقوال والأفعال { وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ } وهو ما لا يقربهم إلى محبوبهم { مروا كراماً } [ الفرقان : 72 ] معرضين

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا} (72)

قوله تعالى : { والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما ( 72 ) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ( 73 ) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزوجانا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ( 74 ) } هذه بضع من الصفات الجليلة لعباد الرحمان . فهم ( لا يشهدون الزور ) والزور في اللغة بمعنى الكذب . ازورّ عن الشيء ازورارا ؛ أي عدل عنه وانحرف{[3358]} وجاء في تأويل الزور في الآية عدة أقوال منها : أنه الشرك . وقيل : أعياد أهل الذمة . وقيل : الغناء . وأظهرها أنه الكذب . والمعنى : أن المؤمنين لا يحضرون مجالس الكذب والباطل . ويحتمل أن يكون معنى الزور إقامة الشهادة الباطلة . فيكون المعنى أنهم لا يشهدون شهادة الزور .

قوله : ( وإذا مروا باللغو مروا كراما ) منصوب على الحال من واو ( مروا ) {[3359]} اللغو ، كل كلام أو فعل باطل أو سقط لا أصل له ولا حقيقة . فيدخل فيه الغناء واللهو وغير ذلك مما يستقبح من القول . ويدخل فيه كذلك سفه المشركين ، وأذاهم المؤمنين . وكذلك ذكر النساء بالسفه من القول . فإذا مر المؤمنين بشيء من ذلك فسمعوه أو رأوه ( مروا كراما ) أي أعرضوا عنه منكرين ، لا يرضونه ولا يجالسون أهله . بل يكرمون أنفسهم بالترفع عن مجالسة أهل اللغو من فارغ القول وسقط الكلام .


[3358]:- القاموس المحيط جـ2 ص 43 ومختار الصحاح ص 278.
[3359]:- البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 209.