تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلۡغَاوُۥنَ} (224)

221

المفردات :

الغاوون : الضالون المائلون عن السنن القويم .

التفسير :

224-{ والشعراء يتبعهم الغاوون }

اتهم أهل مكة النبي بأنه شاعر ، وأن القرآن شعر بدليل وجود القافية فيه ، وقد نفى القرآن الشعر عن الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : { وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين* لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين } [ يس : 69 ، 70 ] .

وقال عز شأنه : { وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون*ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون*تنزيل من رب العالمين } [ الحاقة : 41-43 ] .

لقد كان محمد صلى الله عليه وسلم مثلا أعلى في مكارم أخلاقه ، فهو الصادق الأمين ، وهو الداعي إلى الله وإلى الإيمان به ، والتزام طاعته واجتناب نواهيه ، أما الشعراء فكانوا في جوانب كثيرة أصحاب أغراض وأطماع ، وتشبيب بالنساء ، وتكسب بالشعر ، فيمدحون ثم يذمون ، فإن أعطوا مالا مدحوا ، وإن لم يعطوا قدحوا .

قال المفسرون :

روي عن عبد الله بن عباس : أن هذه الآيات نزلت في شعراء المشركين : عبد الله بن الزبعري ، وهبيرة ابن وهب المخزومي ، ومسافع بن عبد مناف ، وأبي عزة الجمحي ، وأمية بن أبي الصلت .

قالوا : نحن نقول مثل قول محمد ، وكانوا يهجونه ، ويجتمع لهم الأعراب من قومهم ، يستمعون أشعارهم وأهاجيهم ، وهم الغاوون .

الإسلام والشعر

أراد الله توحيد لسان العرب ، تمهيدا لنزول القرآن عربيا مبينا ، فكانت هناك أسواق للكلام الجيد ، والقصائد البليغة ، والخطب الرائعة ، والجيد من الشعر والنثر ، يعرض ذلك في أسواق عكاظ ومجنة وذي المجاز ، وكان العرب قد تميزوا بالشعر وفن القول ، وربما كان البيت من الشعر يرفع القبيلة إن كان مدحا ، أو يخفضها إن كان قدحا ، فلما نزل الكتاب الخاتم بلسان عربي مبين ، حاول القوم إلصاق التهم به ، فقالوا كهانة ، وقالوا : شعر شاعر ، فرد القرآن هذه التهمة ، فشتان بين أهداف الشعراء ، وأهداف القرآن الكريم والشعر وسيلة أدبية عالية ، وهو قيثارة رنانة ، منه الحسن والقبيح ، فالقبيح ما كان للهجاء والتشجيع على الرذيلة والكفر والفسوق ، أو التشبيب بالنساء ، أو هجاء الصالحين .

والحسن من الشعر ما كان مدحا للحق ، ومنافحة عنه ، ودفاعا عن الفضيلة ، فالشعر كلام حسنه حسن ، وقبيحه قبيح .

روى البخاري في الأدب ، والطبراني في الأوسط ، عن عبد الله بن عمرو . وأبو يعلى ، عن عائشة –وهو حديث حسن- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الشعر بمنزلة الكلام ، حسنه كحسن الكلام ، وقبيحه كقبيح الكلام ) .

كما ورد هذا المعنى عن العلماء والأئمة والهداة :

فقال الإمام الشافعي : الشعر نوع من الكلام ، حسنه كحسن الكلام ، وقبيحه كقبيح الكلام .

وقال ابن عبد البر : ليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدوة إلا وقد قال الشعر ، أو تمثل به ، أو سمعه فرضيه إذا كان حكمة أو مباحا .

والخلاصة : إن من الشعر ما يجوز إنشاده ، ومنه ما يكره أو يحرم .

روى مسلم من حديث عمرو بن الشريد ، عن أبيه قال : ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال : ( هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء ؟ ) قلت : نعم ، قال : " هيه " فأنشدته بيتا ، فقال " هيه " ، ثم أنشدته بيتا ، فقال : " هيه " ، حتى أنشدته مائة بيتxviii .

وكان شعر أمية بن أبي الصلت مليئا بالحكمة ، والدعوة إلى الإيمان ، حتى قال صلى الله عليه وسلم : ( كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم ) .

فالشعر الحسن ما كان حسن اللفظ ، حسن المعنى ، يحث على الخير ، أو يدافع عن الحق .

والشعر المكروه أو المحرم ما كان داعيا إلى الفجور أو اللهو ، أو العشق أو السوء ، أو الاستهانة بالقيم والخير ، وكان من شعر أمية بن أبي الصلت ، في الجاهلية قبل الإسلام :

مجدوا الله وهو للحمد أهل *** ربنا في السماء أمسى كبيرا

وقال أيضا :

الحمد لله ممسانا ومصبحنا *** بالخير صبحنا ربي ومسانا

وكان أمية بن أبي الصلت من المتنسكين الذين زهدوا في الخمر وعبادة الأصنام ، مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل ، وكان أمية بن أبي الصلت يعلم أن نبيا سيبعث قد أظل زمانه ، فكان يرجو أن يكون هو ذلك النبي ، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم امتنع عن الإسلام حقدا وحسدا ، ولما أحس أمية بن أبي الصلت باقتراب أجله ، أنشد قائلا :

إن تغفر اللهم تغفر جما *** وأي عبد لك لا ألما

وقد ورد من الحديث الشريف ، ما يذم الشعر ، مثل ما رواه مسلم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريهxix ، خير من أن يمتلئ شعرا )xx

ومن الأحاديث التي مدحت الشعر ، ما رواه أحمد ، وأبو داود ، عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن من البيان سحرا ، وإن من الشعر حكما )xxi .

ويمكن التوفيق بين الحديثين ، بحمل الحديث الأول على الشعر المذموم المردود ، كالشعر الذي يدعو إلى الفجور والفسق وارتكاب المحرمات ، ومدح الهوى والباطل ، وأن نحمل الحديث الثاني على الشعر الممدوح ، الحسن المقبول ، الذي قصد به إظهار الحق ، والدعوة إلى الخير ، ومدح الفضائل والمثل العليا ، والدفاع عن الوطن والذود عنه ، وكل ما فيه تربية للنفوس وتهذيب للعقولxxii .

عود إلى التفسير

{ والشعراء يتبعهم الغاوون }

قال الضحاك : تهاجى رجلان –أحدهما أنصاري ، والآخر مهاجري- على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع كل واحد غواة قومه وهم السفهاء : فنزلت ، وقاله ابن عباس ، وعنه : هم الرواة للشعر ، وروى عن علي بن أبي طلحة : أنهم هم الكفار يتبعهم ضلال الجن والإنسxxiii .

وأرى أن الآية عامة ، في كل الشعراء الذين يقولون الشعر المذموم .

قال الماوردي :

الشعر كلام العرب ، مستحب ومباح ومحظور ، فالمستحب : ما حذر من الدنيا ، ورغب في الآخرة ، وحث على مكارم الأخلاق ، والمباح : ما سلم من فحش وكذب . والمحظور : ما كان كذبا وفحشا ، وجعل الروياني منه ما فيه الهجو لمسلم ، سواء كان بصدق أو كذب .

وقال الشيخ أبو بكر الجزائري :

{ والشعراء يتبعهم الغاوون }

أي : أهل الغواية والضلال ، هم الذين يتبعون الشعراء ، فيروون لهم وينقلبون عنهم ، ويصدقونهم فيما يقولون .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلۡغَاوُۥنَ} (224)

وقوله تعالى : { والشعراء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون } مسوق لتنزيهه عليه الصلاة والسلام أيضاً عن أن يكون وحاشاه من الشعراء وإبطال زعم الكفرة أن القرآن من قبيل الشعر . والمتبادر منه الكلام المنظوم المقفى ولذلك قال كثير من المفسرين : إنهم رموه عليه الصلاة والسلام بكونه آتياً بشعر منظوم مقفى حتى تأولوا عليه ما جاء في القرآن مما يكون موزوناً بأدنى تصرف كقوله تعالى : { وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله } [ الإسراء : 33 ] ويكون بهذا الاعتبار شطراً من الطويل وكقوله سبحانه : { إِنَّ قارون كَانَ مِن قَوْمِ موسى } [ القصص : 76 ] ويكون من المديد ، وكقوله عز وجل : { فَأْصْبَحُواْ لاَ يرى إِلاَّ مساكنهم } [ الأحقاف : 25 ] ويكون من البسيط ، وقوله تبارك وتعالى : { أَلاَ بُعْدًا لّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ } [ هود : 60 ] ويكون من الوافر ، وقوله جل وعلا : { صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً } [ الأحزاب : 56 ] ويكون من الكامل إلى غير ذلك مما استخرجوه منه من سائر البحور ، وقد استخرجوا منه ما يشبه البيت التام كقوله تعالى : { وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ } [ التوبة : 14 ] .

وتعقب ذلك بأنهم لم يقصدوا هذا المقصد فيما رموه به صلى الله عليه وسلم إذ لا يخفى على الأغبياء من العجم فضلاً عن بلغاء العرب أن القرآن الذي جاء به صلى الله عليه وسلم ليس على أساليب الشعر وهم ما قالوا فيه عليه الصلاة والسلام شاعر إلا لما جاءهم بالقرآن واستخراج ما ذكر ونحوه منه ليس إلا لمزيد فصاحته وسلاسته ولم يؤت به لقصد النظم . ولو اعتبر في كون الكلام شعراً إمكان استخراج ما ذكر ونحوه منه ليس إلا لمزيد فصاحته وسلاسته ولم يؤت به لقصد النظم . وول اعتبر في كون الكلام شعراً إمكان استخراج كلام منظوم منه لكان كثير من الأطفال شعراء فإن كثيراً من كلامهم يمكن فيه ذلك ، والظاهر أنهم إنما قصدوا رميه صلى الله عليه وسلم بأنه وحاشاه ثم حاشاه يأتي بكلام مخيل لا حقيقة له ، ولما كان ذلك غالباً في الشعراء الذين يأتون بالمنظوم من الكلام عبروا عنه عليه الصلاة والسلام بشاعر وعما جاء بالشعر ، ومعنى الآية والشعراء يجاريهم ويسلك مسلكهم ويكون من جملتهم الغاوون الضالون عن السنن الحائرون فيما يأتون وما يذرون ولا يستمرون على وتيرة واحدة في الأفعال والأقوال والأحوال لا غيرهم من أهل الرشد المهتدين إلى طريق الحق الثابتين عليه ، والحصر مستفاد من بناء { يَتَّبِعُهُمُ } الخ على الشعراء عند الزمخشري كما قرره في تفسير قوله تعالى : { الله يَسْتَهْزِىء بِهِم } [ البقرة : 15 ] وقوله سبحانه : { والله يُقَدّرُ الليل والنهار } [ المزمل : 20 ] ومن لا يرى الحصر في مثل هذا التركيب يأخذه من الوصف المناسب أعني أن الغواية جعلت علة للاتباع فإذا انتفت انتفى .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلۡغَاوُۥنَ} (224)

قوله : { وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ } الشعراء جمع شاعر ، وهو الذي يقرض الشعر . وهو الكلام الموزون المقفى{[3409]} . والغاوون ، جمع ومفرده الغاوي وهو من الغي بمعنى الضلال والخيبة{[3410]} والمراد بالغاوين ، الضالون عن الحق من الإنس والجن ؛ أي أن الشعراء يتبعهم أهل الغي لا أهل الحق والهداية . واختلفوا في المراد بالغاوين في الآية ، فقد قيل : يراد بهم الشياطين ، وقيل : عصاة الجن ، وقيل : المشركون . وقيل : السفهاء . وقال الطبري : إن شعراء المشركين يتبعهم غواة الناس ومردة الشياطين وعصاة الجن .

ولعل الصواب فيما قيل في الشعر والشعراء الذين يتبعهم الغاوون أنهم الذين يسخرون شعرهم في الفساد والباطل وفي مجانبة البر والفضيلة والخلق الكريم . كالثناء على المفسدين والظالمين وأهل الباطل . أو هجاء الصالحين وأهل الفضيلة والاستقامة من الناس . أو الخوض في أعراض المسلمين وتتبع عوراتهم والنيل من شرفهم وسمعتهم وقدرهم ، بالقبيح من الكلام المستهجن المسف . أو ما كان إطراء للساسة والأمراء والأغنياء على سبيل التزلف والنفاق ؛ ابتغاء للمال وطلبا للحظوة من شهرة ومكانة أو نحو ذلك من وجوه الباطل . وهي وجوه كثيرة ومختلفة سخر فيها شعراء الضلال والباطل قصائدهم ؛ طمعا في كسب حرام أو رغبة في نفاق مجرد لا يحفز إليه غير الخور والخسة والهوى .

قال الزمخشري في الكشاف في الشعراء الذين يتبعهم الغاوون : إنه لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وفضول قولهم وما هم عليه من الهجاء وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب ، والنسب بالحرم{[3411]} والغزل ومدح من لا يستحق المدح . ولا يستحسن ذلك منهم ولا يطرب على قولهم إلا الغاوون والسفهاء والشطار{[3412]} .

وقال القرطبي في ذلك : وأما الشعر المذموم الذي لا يحل سماعه ، وصاحبه ملوم فهو المتكلم بالباطل حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة ، وأشحهم على حاتم ، وأن يبهتوا البريء ويفسقوا التقي ، وأن يفرطوا في القول بما لم يفعله المرء ، رغبة في تسلية النفس وتحسين القول .

فهذا هو حكم الشعر المذموم وحكم صاحبه . فإنه لا يحل سماعه أو إنشاده لما فيه من إشاعة للباطل والرذائل ونشر للفساد والفحش وإيذاء العباد .

وهو هنا كمنثور الكلام القبيح . وقد روي في الخبر عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حسن الشعر كحسن الكلام ، وقبيحه كقبيح الكلام " .

وفي التحذير من قرض الشعر المذموم لمجونه أو فساده ، وفي التنديد به وبقائله روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه{[3413]} خير من أن يمتلئ شعرا " وأحسن ما قيل في تأويل هذا الحديث : أنه الذي غلب على شعره ما كان في الباطل والمجون وما نهى الله عنه كالإكثار من اللغط والغيبة وقبيح القول . أو ما كان في وصف الخمر والزنا وهتك الحرمات . ونحو ذلك من وجوه الفسق والفحش والأذى .

أما الشعر الحسن فهو ما كان في الخير والفضيلة فإنه مستحب ومرغوب فيه .

وذلك كالذي يتضمن ذكر الله وحمده والثناء عليه ، أو ما كان فيه إطراء الإسلام والذب عنه وعن المسلمين وعن رسولهم الأمين . فذلكم مندوب إليه كشعر حسان ابن ثابت في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم والذب عنه ، ودفع أذى المشركين وقدحهم وافتراءاتهم .

قال الإمام الشافعي في هذا الصدد : الشعر نوع من الكلام ، حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيحه . وبذلك فإن الشعر لا يكره لذاته وإنما يكره لما تضمنه من المعاني المذمومة .


[3409]:المعجم الوسيط جـ 2 ص 484.
[3410]:مختار الصحاح ص 485.
[3411]:النسيب بالحرم: التعريض بهوى النساء وحبهن. انظر المعجم الوسيط جـ 2 ص 916.
[3412]:الشطار: جمع شاطر. وهو الذي أعيا أهله لؤما وخبثا. انظر المصباح المنير جـ 1 ص 335.
[3413]:يريه: من الوري. يقال: وروى القيح جوفه يريه وريا، أي أكله. انظر مختار الصحاح ص 718.