تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (91)

90

المفردات :

البغضاء : البغض .

ويصدكم : أي : ويمنعكم يقال صده يصده منعه عن أمر .

التفسير :

91- إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر . . . الآية . أي ما يريد الشيطان بهذه الرذائل إلا إيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين في شربهم الخمر . ولعبهم بالقمار ويصدكم عن ذر الله وعن الصلاة . أي ويمنعكم بالخمر والميسر عن ذكر الله الذي به صلاح دنياكم وآخرتكم ، وعن الصلاة التي هي عماد دينكم .

قال أبو حيان : ذكر الله تعالى في الخمر والميسر مفسدتين إحداهما دنيوية والأخرى دينية ، فأما الدنيوية فإن الخمر تثير الشرور والأحقاد وتئول بشاربها إلى التقاطع ، وأما الميسر فإن الرجل لا يزال يقامر حتى يبقى سليبا لا شيء له ، وينتهي إلى أن يقامر على أهله وولده ، وأما الدينية فالخمر لغلبة السرور والطرب بها تلهى عن ذكر الله وعن الصلاة ، والميسر – سواء كان غالبا أو مغلوبا – يلهى عن ذكر الله ( 7 ) .

فهل أنتم منتهون . وهذا الاستفهام من أشد أساليب النهي عن الخمر والميسر ، ولذلك قال عمر عندما سمعها انتهينا ربنا انتهينا .

قال أبو حيان في البحر المحيط : وهذا الاستفهام من أبلغ ما ينهى به كأنه قيل : قد تلى عليكم ما فيهما من المفاسد التي توجب الانتهاء فهل أنتم منتهمون أم باقون على حالكم ؟

في أعقاب الاية :

وردت الأحاديث الصحيحة في تحريم الخمر ومن ذلك ما يأتي :

روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( يا أيها الناس إن الله يبغض الخمر ، ولعل الله سينزل فيها أمرا ، فمن كان عنده شيء منها فليبعه ، ولينتفع به ) وما لبثوا إلا يسيرا حتى قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن الله حرم الخمر ، فمن أدركته هذه الآية يريد ( إنما الخمر والميسر ) وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبع ، فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها ) ( 8 ) .

- وروى أحمد ومسلم والنسائي ما يأتي :

لقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا يوم الفتح برواية من خمر فقال له أما علمت أن الله حرمها ؟

فأقبل الرجل على غلامه وقال له اذهب فبعها فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الذي حرم شربها حرم بيعها فأمر بها فأفرغت في البطحاء ( 9 ) .

ومن هذه الأحاديث وغيرها تقررت حرمة الانتفاع بالخمر على أي نحو من النحاء ، فيحرم أن تدخل في الطعام بأي قدر كان ، ويحرم أن يصف بها الشعر ، كما تفعله بعض السيدات ، ويحرم تقديمها في موائد المسلمين مجاملة لغير المسلمين .

المخدرات :

أن الخمر هي كل ما أسكر كما ورد . ( كل مسكر خمر وكل خمر حرام ) ( 10 ) .

إن بعض المخدرات أشد فتكا بصحة الإنسان من الخمر . ولذلك أجمع فقهاء الإسلام على حرمة المخدرات وقرروا أن استحلالها كاستحلال الخمر وجاء في كتبهم ( ويحرم أكل البنج والحشيش والأفيون لأنها مفسدة للعقل ، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويجب تعزيز آكلها بما يردعه ) .

وقال ابن تيمية ( إن فيها من المفاسد ما ليس في الخمر فهي أولى بالتحريم ، ومن استحلها ، وزعم انها حلال فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتدا ولا يصلى عليه ، ولا يدفن في مقابر المسلمين ) .

وقال ابن المقيم : ( يدخل في الخمر كل مسكر ، مائعا كان أو جامدا ، عصيرا أو مطبوخا ، واللقمة الملعونة ، لقمة الفسق والفجور التي تحرك القلب الساكن إلى أخبث الأماكن ) ويعني باللقمة الملعونة ( الحشيشة ) هذه اللقمة وغيرها من المخدرات تذهب بنخوة الرجال . وبالمعاني الفاضلة في الإنسان وتجعله غير وفي إذا عاهد ، وغير أمين إذا اؤتمن ، وغير صادق إذا حدث ، تميت فيه الشعور بالمسؤولية ، والشعور بالكرامة .

وثبت طيبا أن للمخدرات الحديثة كالكوكايين والهروين والأقراص المصنعة آثارا قوية على المخ وسائر ملكات الإنسان ، بل فيها قتل معنوي ، وسحق للقيم وهي تشمت بنا الأعداء ، وتحزن الأصدقاء .

ويمكن التغلب عليها بالإيمان واليقين الصادق بالله وباليوم الآخر ، وبقوة العزيمة ، ومعونة الأطباء والعلماء .

يجب أن يقوم البيت بواجبه في رعاية الفتيان والفتيات ، ويجب أن تقوم وسائل الإعلام بالتوعية الحقيقية ، وأن ينهض المسجد والمدرسة والأجهزة المعنية برعاية المدمنين وتوجيههم ، والأخذ بيدهم إلى الشفاء ، يجب تحذير الجميع من هذه المخدرات ومن تناولها مطلقا فإن المرة الأولى يمكن أن تجر صاحبها إلى الإدمان ، وإلى العجز التام عن العودة إلى الجادة والاستقامة ، ولقد سبق القرآن إلى تحريم الخمر ، وهي كل ما خامر العقل وستره سواء أكان خمرا . أم أي صنف من المخدرات وجب علينا أن نستجيب لأمر الله ففيه الحياة الحقيقية قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم . ( الأنفال : 24 ) . وقال سبحانه : يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث . ( الأعراف : 157 ) . وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في الصدور وكرهت أن يطلع عليه الناس )( 11 ) .

ولم تظهر هذه المخدرات في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإنما ظهرت مع سقوط بغداد في يد التتار سنة 656 ه ، وأفتى العلماء بتحريمها لأنها تفسد العقل وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، بل هي أشد فتكا بالجسم والعقل من الخمر .

وقد جاء الإسلام ليحافظ على العقول ، وجعل العقل واللب والفؤاد والقلب أسمى أدوات الخطاب وأوجب علينا التفكر والتدبر ، وحرم الغفلة والضياع . قال تعالى : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة . ( البقرة : 190 ) وقال سبحانه : ولا تقتلوا أنفسكم ( النساء : 29 ) .

وروى ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لعن الله الخمر وشاربها ، وساقيها وبائعها ، ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها ، وآكل ثمنها ، وحاملها والمحمولة إليه ) ( 12 ) .

المخدرات وباء فتاك :

إن مما يدعو للحزن والأسف أن يتهافت الشباب على هذه المخدرات ويدعي أن تحريمها لم يذكر في القرآن الكريم وهذه المخدرات قتل معنوي للإنسان خصوصا الهروين والكوكايين ففي الشمة الأولى يفقد المخ 33% من مقوماته ، وفي الشمة الثانية يفقد المخ 66% من مقوماته وفي الشمة الثالثة يفقد المخ 99% من مقوماته ويصبح المدمن آلة في يد الإدمان ، وهذا قتل وتدمير لكرامة الإنسان قال تعالى : ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا . ( الإسراء : 70 ) . وفي القرآن الكريم : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة . ( البقرة : 195 ) .

إن هذه المخدرات هلاك لجيل من الشباب والفتيان والفتيات ، وعدوان على مستقبل الأمة ، وامتهان لكرامة الوطن والمواطن ، لأن المدمن لا يستطيع أن يضبط عمله ولا أن يصون نفسه ، ولا أن يدافع عن وطنه وفي الحديث الشريف ( البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في الصدور وكرهت أن يطلع عليه الناس ) ( 13 ) .

إذا ثبت ان المخدرات ضارة بالصحة وبالعقل والتفكير وجب الابتعاد عنها تماما كما أمر الله بالابتعاد عن الخمر لأنها تستر العقل ، والمخدرات تستر العقل وتفسد المخ فهي أشد ضررا من الخمر ، وكل ما ثبت ضرره وجب تركه من أصول الدين ( لا ضرر ولا ضرار ) ( 14 ) فترك الضرر واجب شرعا ، والإقلاع عن المخدرات واجتنابها نهائيا واجب شرعا ، ومقصد من مقاصد الشريعة حفاظا على أنفسنا وعلى أمتنا قال تعالى :

ولا تقتلوا أنفسكم . . . . . . . ( النساء : 29 ) .

من وسائل العلاج :

إن الابتعاد عن المخدرات لا يكفي معه الكلام أو النصح بل يحتاج إلى خطة متكاملة حتى يصبح البعد عن الإيمان سلوكا عاما .

وهذا السلوك يحتاج إلى تكاتف المختصين بالأمر من أطباء الصحة وعلماء النفس والتربية والاجتماع والإعلام والصحافة وخبراء التربية الإسلامية ، والدينية .

إن قيام المسجد والكنيسة وسائر دور العبادة بالدور المطلوب منها ، وبالواجب المنوط بها ، سيؤدي إلى استقرار حكم التحريم لهذه المخدرات ، ومن الواجب أن تتسع صدورنا لمناقشة المدمن ، وتشجيعه على الاعتراف والحديث ؛ فهو مريض يحتاج إلى العلاج ، قبل أن يحتاج إلى الفتوى ومن العلاج أن نحترم إنسانيته وأن نفتح أمامه باب التوبة والأمل ، حتى يتغلب على اليأس والإحباط .

كما ينبغي للأسرة أن تتقبل المدمن ، وأن تتكاتف في رعايته حتى يقلع عن الإدمان .

ويجب العناية بدو الاستشفاء والعلاج من الإدمان ، وتزويد هذه الدور بالمتخصصين ، لأنها استثمار حقيقي للإنسان وقد خلق الله الكون كله من أجل الإنسان ، وسخر له الشمس والقمر والليل والنهار ، والسماء والأرض ، واستخلف الإنسان في عمارة الكون ، وإصلاح الحياة ، والمؤمن الصالح أهل للخلافة في هذه الأرض ، ولا صلاح إلا بالاستقامة والجد والعمل والأمل .

قال تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا . . . . . . ( الكهف : 30 ) .

قال تعالى : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون . ( الأنبياء : 105 )

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (91)

{ إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضاء فِى الخمر والميسر } أي بسبب تعاطيهما لأن السكران يقدم على كثير من القبائح التي توجب ذلك ولا يبالي وإذا صحا ندم على ما فعل ، والرجل قد يقامر حتى لا يبقى له شيء وتنتهي به المقامرة إلى أن يقامر بولده وأهله فيؤدي به ذلك إلى أن يصير أعدى الأعداء لمن قمره وغلبه وهذه إشارة إلى مفاسدهما الدنيوية . وقوله تعالى : { وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة } إشارة إلى مفاسدهما الدينية . ووجه صد الشيطان لهم بذلك عما ذكر أن الخمر لغلبة السرور بها والطرب على النفوس والاستغراق في الملاذ الجسمانية تلهي عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة وإن الميسر إن كان اللاعب به غالباً انشرحت نفسه ومنعه حب الغلب والقهر والكسب عما ذكر وإن كان مغلوباً حصل له من الانقباض والقهر ما يحثه على الاحتيال لأن يصير غالباً فلا يكاد يخطر بقلبه غير ذلك . وقد شاهدنا كثيراً ممن يلعب بالشطرنج يجري بينهم من اللجاج والحلف الكاذب والغفلة عن الله تعالى ما ينفر منه الفيل وتكبو له الفرس ويصوح من سمومه الرخ بل يتساقط ريشه ويحار لشناعته بيذق الفهم ويضطرب فرزين العقل ويموت شاه القلب وتسود رقعة الأعمال ، وتخصيص الخمر والميسر بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال للتنبيه على أن المقصود بيان حالهما وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة والشرارة كما يشعر بذلك ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح من الأخبار «الصادحة » بمزيد ذمهما والحط على مرتكبهما .

وخص الصلاة من الذكر بالإفراد بالذكر مع أن الذي يصد عنه يصد عنها لأنه من أركانها تعظيماً لها كما في ذكر الخاص بعد العام وإشعاراً بأن الصاد عنها كالصاد عن الإيمان لما أنها عماده والفارق بينه وبين الكفر إذ التصديق القلبي لا يطلع عليه وهي أعظم شعائره المشاهدة في كل وقت ولذا طلبت فيها الجماعة ليشاهدوا الإيمان ويشهدوا به ، ففي الكلام إشارة إلى أن مراد اللعين ومنتهى آماله من تزيين تعاطي شرب الخمر واللعب بالميسر الايقاع في الكفر الموجب للخلود معه في النار وبئس القرار .

ثم إنه سبحانه أعاد الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام الانكاري مع الجملة الاسمية مرتباً على ما تقدم من أصناف الصوارف فقال جل شأنه : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } إيذاناً بأن الأمر في الردع والمنع قد بلغ الغاية وأن الأعذار قد انقطعت بالكلية حتى إن العاقل إذا خلي ونفسه بعد ذلك لا ينبغي أن يتوقف في الانتهاء . ووجه تلك التأكيدات أن القوم رضي الله تعالى عنهم كما قيل كانوا مترددين في التحريم بعد نزول آية البقرة ( 912 ) ولذا قال عمر رضي الله تعالى عنه : «اللهم بين لنا في ذلك بياناً شافياً » فنزلت هذه الآية ، ولما سمع عمر رضي الله تعالى عنه { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } قال : «انتهينا يا رب » ، وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال : أول ما نزل في تحريم الخمر

{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر } [ البقرة : 219 ] الآية ، فقال بعض الناس : نشربها لمنافعها التي فيها ، وقال آخرون : لا خير في شيء فيه إثم ثم نزل { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى } [ النساء : 43 ] الآية فقال بعض الناس : نشربها ونجلس في بيوتنا ، وقال آخرون لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة مع المسلمين فنزلت : { تَشْكُرُونَ يَأَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر } الآية فانتهوا . وأخرج عن قتادة قال : ذكر لنا أن هذه الآية لنا نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله سبحانه قد حرم الخمر فمن كان عنده شيء فلا يطعمه ولا تبيعوها » فلبث المسلمون زمانا يجدون ريحها من طرق المدينة مما أهراقوا منها . وأخرج عن الربيع أنه قال لما نزلت آية البقرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن ربكم يقدم في تحريم الخمر » ثم نزلت آية النساء فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «إن ربكم يقدم في تحريم الخمر » ثم نزلت آية بالمائدة فحرمت الخمر عند ذلك . وقد تقدم في آية البقرة شيء من الكلام في هذا المقام فتذكر .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (91)

قوله : { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ } أي أن الشيطان يسول لكم شرب الخمر والمقامرة ، إرادة منه أن يغويكم فيوقع بينكم العداوة والبغضاء في شربكم الخمر وفي مياسرتكم ومقامرتكم ليعادي بعضكم بعضاً ويبغض بعضكم بعضاً فيتشتت أمركم ويتمزق صفكم بعد أن ألّف الله بين قلوبكم بالإيمان وأخوة الإسلام .

أما وجه العداوة والبغضاء في الخمر ، فإن الشاربين إذ يحتسون الخمر يقبلون عليها بشره وتعشّق طلباً للذة والطرب والانتشاء الزائف المصطنع . حتى إذا ولغوا فيها ولوغاً خالطت عقولهم مخالطة ، وأثرت في أحلامهم بالغ التأثير . لا جرم أنه تأثير سلبي فاضح يحول بين المرء وكامل وعيه وإدراكه ويسدل على العقل كثيفاً من الحجاب الصفيق ليحول بينه وبين القدرة على الإدراك والتمييز .

والسكارى وهم يعبّون من كؤوس الخمرة عبّاً يلفهم غطاء الغفلة والخدر وانعدام الإحساس والوعي فتأخذهم حالة من الهذيان المطبق ، فلا يلبث المخمورون المأفونون بعد ذلك أن يلجوا في الصياح والصخب والغضب واللجاج بفعل الخمرة التي استحوذت على عقولهم فأفقدتهم القدرة على التماسك والضبط . وما يلبث المخمورون أن تتعثر ألسنتهم بقبائح الكلام من فحش وقذف وطعن وخوض في أعراض الناس والمحرمات . وكل ذلك لسوف يفضي بالضرورة إلى الكراهية والعداوة والتباغض بين الشاربين السكارى .

أما وجه العداوة والبغضاء في الميسر . فإن اللاعب المقامر لا ينجو من الخسارة . فلئن ربح من مرة أو مرات فلسوف يذوق وبال الخسارة في مرات أخرى . وربما يخسر ماله كليّاً في جلسة واحدة أو أكثر من جلسات الخسة والخزي على موائد القمار حيث السحت والجشع والأمل اللاهث المكروب . وذلك يعني أن المقامر سوف لا ينجو من الخسران مهما أوتي من براعة في المياسرة .

والمقامر الخاسر يجد قلبه كظيظاً مترعاً بمرارة الكراهية والحقد وفيض الامتعاض والمضاضة بما يحمله على مباغضة خصمه الآخر ومعاداته أشد المعاداة . فلا يكون المتقامرون بذلك إلا الأشتات من البشر المتهافت ، والأناسي المتباغضين المتنافرين الذين تغمر قلوبهم موجة مستعرة من الضغن المتأجج لما جنوه على أنفسهم من التلطخ بلوثة السحت البشع على مائدة القمار الذميم .

قوله : { وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلواَةِ } يريد الشيطان للعباد كل سوء وشر . فهو لا يفتأ طيلة الأيام والأزمان يحرضهم لفعل السيئات والمعاصي ، ويتربص بهم السقوط في الخطيئة بما يودي بهم إلى الهاوية وسوء المصير . والخمر والميسر سببان يلج منهما الشيطان لابن آدم فيسول له فعل كل معصية من قول أو فعل ، ثم يصدهم فوق ذلك عن ذكر الله وعن الصلاة .

أما الخمر فهي تخامر العقل مخامرة لتسدل عليه ستاراً من الذهول والعمه فيعجز عن الاستبصار والتمييز . والشارب الذي طغى على ذهنه وقلبه وأعصابه حسوات من خمر ، أجدر أن لا يكون في عداد الذاكرين لله . بل هو في زمرة اللاهين السامدين الذين يتيهون حماقة ورعونة . فأنَّى لمثل هذا المخمور التائه المأفون أن يعي أو يتدبر وجيبة الذكر لله .

وكذا الصلاة . فإن من تبددت في كيانه ظواهر الوعي والفهم والتدبر أجدر أن لا يتذكر الصلاة . هذه العبادة الرائعة المميزة المكرورة مرات في كل يوم . العبادة الخاصة التي تتكامل فيها مركبات الشخصية المؤمنة لتلتئم في كيان واحد متسق عجيب يناجي ربه وهو بين يديه . حتى ما يكون في كيان الإنسان كله من أعصاب وحواس وتفكير إلا ويقف واجماً ضارعاً متوسلاً خاشعاً في لحظات الصلاة . فأنّى للمخمور المتطيش مسلوب العقل والإرادة أن يؤدي مثل هذه العبادة الجليلة . لا جرم أنه بذلك مصدود عن ذكر الله وعن الصلاة .

وكذلك الميسر . فإنه شَرَك للمقامر الجشع . المقامر الوالغ في أكل الباطل والحرام ، السادر في اكتساب السحت ظلماً وعدواناً . ذلك هو المقامر المنكود الذي يترعرع في عيشه المتدنس على حساب الآخرين الخاسرين بغير حق .

والمقامر الذي تنشغل فيه أعصابه وذهنه وجسده كله في عملية الميسر إنما يجد نفسه مشدود الإرادة والعزيمة والقلب لهذه العملية المقبوحة فلا متسع عنده لأيّما اهتمام بذكر الله أو الصلاة . وأنَّى لمثل هذا المقامر اللاهث المخبول أن يذكر ربه فينيب إليه طائعاً مخبتاً أو يعبأ بالصلاة فيبادر القيام بها ؟ !

قوله : { فَهَلْ أَنْتُم مُّنتَهُونَ } هذا الاستفهام ينطوي على تأكيد ظاهر على النهي ، عن الخمر والميسر . فما بقي من عذر بعد هذا التنديد البالغ بالخمر والميسر ، لما فيهما من إشاعة للمباغضات والعداوات . ولأن كل واحد منهما ملهاة للمؤمن تصده عن ذكر الله وعن الصلاة . وقد أدرك عمر رضي الله عنه أن هذا وعيد شديد لمن يتخلف أو يتردد فقال مبادراً : انتهينا يا رب .