الغيب والشهادة : الخفي والظاهر .
105 { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } .
وقل أيها الرسول لهؤلاء التائبين ولغيرهم : اعملوا ؛ فإن عملكم لا يخفى على الله وعباده خيرا كان أو شرا ؛ فأخلصوا عملكم لوجه الله .
والعمل أساس السعادة ، وسيرى الله عملكم سرا أو جهرا ، وسيراه الرسول والمؤمنون إن كان جهرا ، أو سيطلع الله رسوله والمؤمنين على أعمالكم .
روى الإمام أحمد والبيهقي وأبو يعلى عن أبي سعيد الخدري : ( لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ، ليس لها باب ولا كوة ، لأخرج الله عمله للناس كائنا من كان )141 .
وقد ورد : أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ كما قال أبو داود والطيالسى . روي عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في قبورهم ، فإن كان خيرا ؛ استبشروا به ، وإن كان غير ذلك ؛ قالوا : اللهم ، ألهمهم أن يعملوا بطاعتك ) .
{ وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } .
وستردون إلى يوم القيامة إلى الذي يعلم سرائركم وعلانيتكم ، ويعلم الغائب والحاضر ، والباطن والظاهر فيخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا ، ثم يجازيكم عليها إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، وهذا كلام جامع للترغيب والترهيب .
1 فرضية الزكاة التي أوجبها الله في خمسة أنواع هي : زكاة المال ، وزكاة التجارة ، وزكاة المحصولات الزراعية ، وزكاة الماشية من البقر والغنم والإبل ، وزكاة الركاز : وهو كل ما
يستخرج من باطن الأرض مثل : البترول والمعادن .
2 قبول الله للتوبة الصادقة ، وللصدقات الصادرة عن خلوص النية ، والإثابة عليها .
3 كل إنسان مجزي بعمله ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، والعمل مشهود عند الله ورسوله والمؤمنين ، في عالم البرزخ كما قال تعالى : { يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية } .
وَقُلِ اعملوا } ما تشاؤون من الأعمال { فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ } خيراً كان أو شراً ، والجملة تعليل لما قبله أو تأكيد لما يستفاد منه من الترغيب والترهيب والسين للتأكيد كما قررنا أي يرى الله تعالى البتة { وَرَسُولُهُ والمؤمنون } عطف على الاسم الجليل ، والتأخير عن المفعول للاشعار بما بين الرؤيتين من التفاوت ، والمراد من رؤية العمل عند جمع الاطلاع عليه وعلمه علماً جلياً ، ونسبة ذلك للرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين باعتبار أن الله تعالى لا يخفى ذلك عنهم ويطلعهم عليه أما بالوحي أو بغيره .
وأخرج أحمد . وابن أبي الدنيا في الاخلاص عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لأخرج الله تعالى عمله للناس كائناً ما كان » وتخصيص الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بالذكر على هذا لأنهم الذين يعبأ المخاطبون باطلاعهم ، وفسر بعضهم المؤمنين بالملائكة الذين يكتبون الأعمال وليس بشيء ، ومثله بل أدهى وأمر ما زعمه بعض الأمامية إنهم الأئمة الطاهرون ورووا أن الأعمال تعرض عليهم في كل اثنين وخميس بعد أن تعرض على النبي صلى الله عليه وسلم .
وجوز بعض المحققين أن يكون العلم هنا كناية عن المجازاة ويكون ذلك خاصاً بالدنيوي من إظهار المدح والاعزاز مثلاً وليس بالردىء ، وقيل : يجوز إبقاء الرؤية على ما يتبادر منها . وتعقب بأن فيه التزام القول برؤية المعاني وهو تكلف وإن كان بالنسبة إليه تعالى غير بعيد ، وأنت تعلم أن من الأعمال ما يرى عادة كالحركات ولا حاجة فيه إلى حديث الالتزام المذكور على أن ذلك الالتزام في جانب المعطوف لا يخفى ما فيه .
وأخرج ابن أبي شيبة . وغيره عن سلمة بن الأكوع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ } أي فسيظهره { وَسَتُرَدُّونَ } أي بعد الموت { إلى عالم الغيب } ومنه ما سترونه من الأعمال { والشهادة } ومنها ما تظهرونه ، وفي ذكر هذا العنوان من تهويل الأمر وتربية المهابة ما لا يخفى . { فَيُنَبّئُكُمْ } بعد الرد الذي هو عبارة عن الأمر الممتد { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } قبل ذلك في الدنيا والأنباء مجاز عن المجازاة أو كناية أي يجازيكم حسب ذلك إن خيراً فخير وإن شراً فشر ففي الآية وعد ووعيد .
{ 105 ْ } { وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ْ }
يقول تعالى : { وَقُلْ } لهؤلاء المنافقين : { اعْمَلُوا } ما ترون من الأعمال ، واستمروا على باطلكم ، فلا تحسبوا أن ذلك ، سيخفى .
{ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ } أي : لا بد أن يتبين عملكم ويتضح ، { وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من خير وشر ، ففي هذا التهديد والوعيد الشديد على من استمر على باطله وطغيانه وغيه وعصيانه .
ويحتمل أن المعنى : أنكم مهما عملتم من خير أوشر ، فإن اللّه مطلع عليكم ، وسيطلع رسوله وعباده المؤمنين على أعمالكم ولو كانت باطنة .
{ وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 ) }
وقل - يا محمد - لهؤلاء المنافقين وأمثالهم : اعملوا ما ترون من الأعمال ، فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ، وسيتبين أمركم ، وسترجعون يوم القيامة إلى مَن يعلم سركم وجهركم ، فيخبركم بما كنتم تعملون . وفي هذا تهديد ووعيد لمن استمر على باطله وطغيانه .
قوله تعالى : { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنين وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } أي اعلموا بطاعة الله وبما يرضيه من الأعمال الصالحة مخلصين له وحده . ثم توعد الله العصاة الذين يخالفون أوامر الله ويعملون السيئات أن أعماهم هذه ستعرض على الله وعلى رسوله وعلى المؤمنين في الدنيا قبل الآخرة ؛ أي سيراها ويطلع عليها الرسول والمؤمنون وهم في البرزخ ؛ فقد روي الإمام أحمد عن أبي سعيد مرفوعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة ؛ لأخرج الله عمله للناس كائنا ما كان ) .
وعن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركن في قبورهم ، فإن كان خيرا استبشروا به ، وإنا كان غير ذلك قالوا : اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك ) .
وروي الإمام أحمد أيضا عن أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم من الأموات ، فإن كان خيرا استبشروا به ، وإن كان غير ذلك قالوا : اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا ) .
قوله : { وستردون إلى علم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعلمون } { الغيب الشهادة } ، يعني الخفي المستور ، والظاهر المنظور . قال ابن عباس : الغيب : ما يسرونه . والشهادة : ما يظهرونه ؛ أي سوف تصيرون يوم القيامة إلى الله الذي يستوي عنده الباطن والظاهر ؛ فهو الذي يعلم سركم وجهركم ، وهو الذي لا يخفي عليه خوافيكم وبواطن أموركم ، فيخبركم بكل ما جرحتموه من الأفعال ، وحينئذ يمحص الله ما كان من ذلك رياء ، وما كان منه طاعة وإخلاصا لوجهه الكريم فيجازيكم على ذلك كله ما تستحقونه من الجزاء{[1894]} .