تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ كِتَٰبٗا فِيهِ ذِكۡرُكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (10)

7

10 - لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ .

ذكركم : شرفكم ، أو دينكم وعظتكم .

تعقلون : تتدبرون ما في تضاعيفه من العبر والمواعظ .

لقد أنزلنا إليكم أيها العرب ، قرآنا فيه شرفكم ومجدكم وعزتكم ، ودينكم وتقويم أخلاقكم ، بما اشتمل عليه من الإيمان والتشريع والآداب ، والقصص وأسباب السعادة والتربية المثلى ، فمن اتبعه ؛ نال السعادة في الدنيا والآخرة .

أفلا تعقلون .

ذلك فتقبلون على القرآن إقبال المصدق به ، المتبع لما جاء فيه .

لقد نزل القرآن عربيا مبينا ، وكان شرفا لهذه الأمة ، وبقدر اتباعها للقرآن ، بقدر ما جاء إليها من نصر وعز ، وبهذا القرآن تقدم العرب المسلمون ، فافتتحوا بلاد الفرس والروم ومصر ، وتقدموا شرقا وغربا وشمالا وجنوبا ، وحين ضعفت صلة المسلمين بهذا الكتاب ، وضعف الاقتداء به ؛ عمّهم ظلام التخلف والتأخر ، ولا يزال الوحي نضيرا ، والسنة المطهرة قدوة حسنة ، وكلما عاد المسلمون إلى أصول دينهم ؛ كلما عاد إليهم مجدهم ، وصاروا خير أمة أخرجت للناس ، والبشرية في حاجة إلى هدى هذا القرآن ، ولم يكن للعرب كبير شأن في الجاهلية ، وإنما عرف فضلهم بهذا القرآن الذي عم نوره المشارق والمغارب ، فالعرب بالإسلام كل شيء ، وبدون الإسلام لا شيء ، قال تعالى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ . ( الزخرف : 44 ) .

إن القرآن شرف للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وللعرب ؛ بما حوى من تشريع وآداب وأخلاق وقيم ، وهذه نعم سوف نسأل عنها : هل تمسكنا بها وحملناها إلى غيرنا في صورة كريمة تدعو إلى الاقتداء بها أم لا ؟

وفي هذا المعنى يقول الله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا . . . ( البقرة : 143 ) .

فالأمة الإسلامية أمة وسط ، وهذه الوسطية تميز هذه الرسالة ، فهي رسالة وسط بين المادية والروحية ، وهي في منطقة وسط بين ما حولها من الشرق والغرب والشمال والجنوب ، وهي دعوة وسط بمعنى : مثالية الرسالة وصلاحيتها للدنيا والآخرة ، وهي لذلك تجعل للمسلمين القوامة على البشرية ، يتمسكون بالقيم ، ويدعون الناس إليها ، وحضارة القرن العشرين حضارة مادية ، تقدمت في اختراع القنبلة الذرية ، ثم ألقيت قنبلة في هيروشيما ، وقنبلة في نجازاكي سنة 1945 فكان مع ذلك الوباء والبلاء ، وآلاف القتلى وأصحاب العاهات ، وامتد الأثر إلى الأرض والزراعة والإنسان والحيوان ، وديننا هو دين الرحمة بالإنسانية وصدق الله العظيم . وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ . ( الأنبياء : 107 ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ كِتَٰبٗا فِيهِ ذِكۡرُكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (10)

{ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كتابا } كلام مستأنف مسوق لتحقيق حقية القرآن العظيم الذي ذكر في صدر السورة الكريمة إعراض الناس عما يأتيهم من آياته واستهزاؤهم به واضطرابهم في أمره وبيان علو مرتبته إثر تحقيق رسالته صلى الله عليه وسلم ببيان أنه كسائر الرسل الركام عليهم الصلاة والسلام قد صدر بالتوكيد القسمي إظهاراً لمزيد الاعتناء بمضمونه وإيذاناً بكون المخاطبين في أقصى مراتب النكير والخطاب لقريش ، وجوز أن يكون لجميع العرب وتنوين كتاباً للتعظيم والتفخيم أي كتاباً عظيم الشأن نير البرهان ، وقوله عز وجل : { فِيهِ ذِكْرُكُمْ } صفة له مؤكدة لما أفاده التنكير التفخيمي من كونه جليل القدر بأنه جميل الآثار مستجلب لهم منافع ( جليلة ) والمراد بالذكر كما أخرج البيهقي في شعب الإيمان وابن المنذر وغيرهما عن ابن عباس الصيت والشرف مجازاً أي فيه ما يوجب الشرف لكم لأنه بلسانكم ومنزل على نبي منكم تتشرفون بشرفه وتشتهرون بشهرته لأنكم حملته والمرجع في حل معاقده وجعل ذلك فيه مبالغة في سببيته له ، وعن سفيان أنه مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال أي فيه ما يحصل به الذكر أي الثناء الحسن وحسن الأحدوثة من مكالام الأخلاق ومحاسن الأعمال إطلاقاً لاسم المسبب على السبب فهو مجاز عن ذلك أيضاً .

وأخرج غير واحد عن الحسن أن المراد فيه ما تحتاجون إليه في أمور دينكم ، وزاد بعض ودنياكم ، وقيل الذكر بمعنى التذكير مضاف للمفعول ، والمعنى فيه موعظتكم ، ورجح ذلك بأنه الأنسب بسباق النظم الكريم وسياقه فإن قوله تعالى : { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } إنكار توبيخي فيه بعث لهم على التدبر في أمر الكتاب والتدبر فيما في تضاعيفه من فنون المواعظ والزواجر التي من جملتها القوارع السابقة واللاحقة .

وقال صاحب التحرير : الذي يقتضيه سياق الآيات إن المعنى فيه ذكر فيائحكم ومثالبكم وما عاملتم به أنبياء الله تعالى عليهم الصلاة والسلام من التكذيب والعناد . وقوله تعالى : { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } إنكار عليهم في عدم تفكرهم مؤد إلى التنبه عن سنة الغفلة انتهى ، وفيه بعد ، والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي إلا تتفكرون فلا تعقلون ان الأمر كذلك أولاً تعقلون شيئاً من الأشياء التي من جملتها ما ذكر .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{لَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ كِتَٰبٗا فِيهِ ذِكۡرُكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (10)

{ 10 } { لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }

لقد أنزلنا إليكم - أيها المرسل إليهم ، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب - كتابا جليلا ، وقرآنا مبينا { فِيهِ ذِكْرُكُمْ } أي : شرفكم وفخركم وارتفاعكم ، إن تذكرتم به ما فيه من الأخبار الصادقة فاعتقدتموها ، وامتثلتم ما فيه من الأوامر ، واجتنبتم ما فيه من النواهي ، ارتفع قدركم ، وعظم أمركم ، { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } ما ينفعكم وما يضركم ؟ كيف لا ترضون ولا تعملون على ما فيه ذكركم وشرفكم في الدنيا والآخرة ، فلو كان لكم عقل ، لسلكتم هذا السبيل ، فلما لم تسلكوه ، وسلكتم غيره من الطرق ، التي فيها ضعتكم وخستكم في الدنيا والآخرة وشقاوتكم فيهما ، علم أنه ليس لكم معقول صحيح ، ولا رأي رجيح .

وهذه الآية ، مصداقها ما وقع ، فإن المؤمنين بالرسول ، الذين تذكروا بالقرآن ، من الصحابة ، فمن بعدهم ، حصل لهم من الرفعة والعلو الباهر ، والصيت العظيم ، والشرف على الملوك ، ما هو أمر معلوم لكل أحد ، كما أنه معلوم ما حصل ، لمن لم يرفع بهذا القرآن رأسا ، ولم يهتد به ويتزك به ، من المقت والضعة ، والتدسية ، والشقاوة ، فلا سبيل إلى سعادة الدنيا والآخرة إلا بالتذكر بهذا الكتاب .