تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ وَمَن يَتَّبِعۡ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (21)

11

21 - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .

خطوات : واحدها خطوة ( بالضم ) ، ما بين القدمين من المسافة ، ويراد بها : نزعات الشيطان ووساوسه .

المنكر : ما تنكره النفوس فتنفر منه .

زكا : طهر من دنس الذنوب .

لقد حذر الله من اتباع طريق الشيطان فقال عز شأنه : إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ . ( فاطر : 6 ) . وإذا كان الشيطان للإنسان عدوا مبينا ، فإن هذا الإنسان الغافل ينسى أحيانا نفسه ، ويسلك سبل الشيطان وطرقه ، وينهج على منواله حين يشيع الفحشاء في الذين آمنوا ، ويذيعها وينقلها ويرويها بين الناس فيفتح العيون الغافلة ، ويوهم الأبرياء أن الشر فاش ومنتشر ، فيشجعهم ذلك على الرذيلة .

( وإنها لصورة مستنكرة أن يخطو الشيطان ، فيتبع المؤمنون خطاه ، وهم أجدر الناس أن ينفروا من الشيطان ، وأن يسلكوا طريقا غير طريق المشئوم !

صورة مستنكرة ينفر منها طبع المؤمن ، ويرتجف لها وجدانه ، ويقشعر لها خياله !

ورسم هذه الصورة ، ومواجهة المؤمنين بما يثير في نفوسهم اليقظة ، والحذر والحساسية )85 .

وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ . . .

إن الشيطان يتحين الفرصة لإضلالكم ، وإيقاعكم في الفواحش والمنكرات والمعاصي ، فاحذروا طريقه ، واقصدوا باب الله بالتوبة ، فهو الباب الوحيد الذي يعصمكم من الفتنة والغواية : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ . ( الأعراف : 201 ) .

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا . . .

الهداية والتوفيق والتوبة كلها تتم بفضل الله ورحمته .

قال النسفي :

ولولا أن الله تفضل عليكم بالتوبة الممحصة لما طهر منكم أحد آخر الدهر من دنس الإفك .

وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء . . . يطهر التائبين بقبول توبتهم إذا محصوها

وَاللَّهُ سَمِيعٌ . لقولهم . عَلِيمٌ . بضمائرهم وإخلاصهم86 .

وليست مشيئة الله تعالى في تزكية الناس وتطهريهم من أدناس الفواحش والمنكرات بدون قاعدة ولا نظام ، بل هي قائمة على نظام محكم ، وعلم واسع ، فالله يعلم من يطلب الخير ، ومن يرغب في الشر ، ويسمع كل ما يتكلم به الإنسان في خلواته ، ولا يخفى على علمه ما توسوس به نفسه .

فهو يمنح هدايته لمن يستحق هذه الهداية ، ولمن يسلك طريق الخير ويبتعد عن طريق الشر ، وهو سبحانه يحجب هدايته عمن أعرض عن الله واتبع هواه ، ولم يصغ لنداء الحق .

قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( اعملوا ، فكل ميسر لما خلق له )87 ، إن - الله عز وجل – يقول :

فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى . ( الليل : 5 - 10 ) .

وجاء في تفسير ابن كثير :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ . . . يعني طرائقه ومسالكه وما يأمر به .

وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ . . . هذا تنفير وتحذير من ذلك بأفصح عبارة وأبلغها وأوجزها وأحسنها .

قال ابن عباس : خطوات الشيطان . عمله ، وقال عكرمة : نزغاته ، وقال قتادة : كل معصية فهي من خطوات الشيطان .

وسأل رجل ابن مسعود فقال : إني حرمت أن آكل طعاما ، وسماه . فقال : هذا من نزغات الشيطان ، كفر عن يمينك وكل .

وقال الشعبي في رجل نذر ذبح ولده : هذا من نزغات الشيطان ، وأفتاه أن يذبح كبشا .

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا . . .

أي : لولا أن الله يرزق من يشاء التوبة والرجوع إليه ، ويزكي النفوس من شركها وفجورها ودنسها ، وما فيها من أخلاق رديئة ، كل بحسبه ؛ لما حصل أحد لنفسه زكاة ولا خيرا88 .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ وَمَن يَتَّبِعۡ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (21)

{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان } أي لا تسلكوا مسالكه في كل ما تأتون وما تذرون والكلام كناية عن اتباع الشيطان وامتثال وساوسه فكأنه قيل : لا تتبعوا الشيطان في شيء من الأفاعيل التي من أتباعها إشاعة الفاحشة وحبها .

وقرأ نافع . والبزي في رواية ابن ربيعة عن . وأبو عمرو . وأبو بكر . وحمزة { خطوات } بسكون الطاء ورفعها وهو في جميع ذلك جمع خطوة بضم الخاء وسكون الطاء اسم لما بين القدمين ، وأما الخطوة كما جاء فهو مصدر خطا » والأصل في الاسم إذا جمع أن تحرك عينه فرقاً بينه وبين الصفة فيضم اتباعاً للفاء أو يفتح تخفيفاً وقد يسكن .

{ وَمَن يَتَّبِعْ خطوات الشيطان } وضع الظاهر أن موضع ضميري الخطوات والشيطان حيث لم يقل ومن يتبعها أو من يتبع خطواته لزيادة التقرير والمبالغة { فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بالفحشاء } هو ما أفرط قبحه كالفاحشة { والمنكر } هو ما ينكره الشرع ، وضمير إنه للشيطان ؛ وقيل للشأن وجواب الشرط مقدر سد ما بعد الفاء مسده وهو في الأصل تعليل للجملة الشرطية وبيان لعلة النهي كأنه قيل : من يتبع الشيطان ارتكب الفحشاء والمنكر فإنه لا يأمر إلا بهما ومن كان كذلك لا يجوز اتباعه وطاعته » وقد قرر ذلك النسفي . وابن هشام في الباب الخامس من المغنى . وتعقب بأنه يأباه ما نص عليه النحاة من أن الجواب لا يحذف إلا إذا كان الشرط ماضياً حتى عدوا من الضرورة قوله

: لئن تك قد ضاقت على بيوتكم *** ليعلم ربي أن بيتي أوسع

وأجيب بأن الآية ليست من قبيل ما ذكروه في البيت فإنه مما حذف فيه الجواب رأساً وهذا مما أقيم مقامه ما يصح جعله جواباً بحسب الظاهر ، وقال أبو حيان : الضمير عائد على من الشرطية ولم يعتبر في الكلام حذفاً أصلاً ، والمعنى على ذلك من يتبع الشيطان فإنه يصير رأساً في الضلال بحيث يكون آمراً بالفحشاء وهو مبني على اشتراط ضمير في جواب الشرط الاسمي يعود إليه وسيأتي إن شاء الله تعالى ما فيه .

{ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } بما من جملته إنزال هاتيك الآيات البينات والتوفيق للتوبة الممحصة من الذنوب وكذا شرع الحدود المكفر لما عدا الردة منها على ما ذهب إليه جمع وأجابوا عن حديث أبي هريرة السابق آنفاً بأنه كان قبل أن يوحى إليه صلى الله عليه وسلم بذلك { مَا زَكَى } أي ما طهر من دنس الذنوب .

وقرأ روح . والأعمش { مَا زَكَى } بالتشديد والإمالة ، وكتب { زَكَى } المخفف بالياء مع أنه من ذوات الواو وحقها أن تكتب بالألف ، قال أبو حيان : لأنه قد يمال أو حملاً على المشدد ، ومن قوله تعالى : { مّنكُمْ } بيانية ، وفي قوله سبحانه : { مّنْ أَحَدٍ } سيف خطيب و { أَحَدٌ } في حيز الرفع على الفاعلية على القراءة الأولى وفي محل النصب على المفعولية على القراءة الثانية والفاعل عليها ضميره تعالى أي ما زكى الله تعالى منكم أحداً { أَبَدًا } لا إلى غاية { ولكن الله يُزَكّى } يظهر { مَن يَشَآء } من عباده بإفاضة آثار فضله ورحمته عليه وحمله على التوبة وقبولها منه كما فعل سبحانه بمن سلم عن داء النفاق ممن وقع في شرك الإفك منكم .

{ والله سَمِيعٌ } مبالغ في سمعه الأقوال التي من جملتها ما أظهروه من التوبة { عَلِيمٌ } بجميع المعلومات التي من جملتها نياتهم ، وفيه حث لهم على الإخلاص في التوبة ، وإظهار الاسم الجليل للإيذان باستدعاء الألوهية للسمع والعلم مع ما فيه من تأكيد الاستقلال التذييلي .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ وَمَن يَتَّبِعۡ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (21)

ولما نهى عن هذا الذنب بخصوصه ، نهى عن الذنوب عموما فقال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } أي : طرقه ووساوسه .

وخطوات الشيطان ، يدخل فيها سائر المعاصي المتعلقة بالقلب ، واللسان والبدن . ومن حكمته تعالى ، أن بين الحكم ، وهو : النهي عن اتباع خطوات الشيطان . والحكمة وهو بيان ما في المنهي عنه ، من الشر المقتضي ، والداعي لتركه فقال : { وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ } أي : الشيطان { يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ } أي : ما تستفحشه العقول والشرائع ، من الذنوب العظيمة ، مع ميل بعض النفوس إليه . { وَالْمُنْكَرِ } وهو ما تنكره العقول ولا تعرفه . فالمعاصي التي هي خطوات الشيطان ، لا تخرج عن ذلك ، فنهي الله عنها للعباد ، نعمة منه عليهم أن يشكروه ويذكروه ، لأن ذلك صيانة لهم عن التدنس بالرذائل والقبائح ، فمن إحسانه عليهم ، أن نهاهم عنها ، كما نهاهم عن أكل السموم القاتلة ونحوها ، { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا } أي : ما تطهر من اتباع خطوات الشيطان ، لأن الشيطان يسعى ، هو وجنده ، في الدعوة إليها وتحسينها ، والنفس ميالة إلى السوء أمارة به ، والنقص مستول على العبد من جميع جهاته ، والإيمان غير قوي ، فلو خلي وهذه الدواعي ، ما زكى أحد بالتطهر من الذنوب والسيئات والنماء بفعل الحسنات ، فإن الزكاء يتضمن الطهارة والنماء ، ولكن فضله ورحمته أوجبا أن يتزكى منكم من تزكى .

وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم آت نفسي تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها " ولهذا قال : { وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ } من يعلم منه أن يزكى بالتزكية ، ولهذا قال : { وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }