{ سَأَصْرِفُ عَنْ آياتيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإن يَرَوْاْ كُلَّ آية لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وإن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأنهُمْ كَذَّبُواْ بآياتنَا وكانوا عَنْهَا غَافِلِينَ ( 146 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بآياتنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كانوا يَعْمَلُونَ ( 147 ) } :
سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون : سأبعد عن التدبر في آياتي ، والمراد : سأطبع على قلوبهم وأغلقها ؛ بسبب كبريائهم .
{ 146 - سَأَصْرِفُ عَنْ آياتيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ . . . }
يسر الله للإنسان طريق الهدى والرشاد ، ومنحه العقل والإرادة والاختيار ، وهداه النجدين وبين له الطريقين ، فإذا اختار الإنسان طريق الهدى ؛ يسر الله له الرشاد وثبته وأعانه عليه ، وإذا تكبر عن الحق وبغى في الأرض وتعالى وتكبر عن دواعي الإيمان ؛ فإن الله يسلب عنه الهدى ويحجبه عن مواقع رحمته ، بعد أن أخذ من آيات الله ومعجزاته هذا الموقف المعيب ثم بين صفات المستكبرين وأحوالهم فقال :
1 – { وأن يروا كل آية لا يؤمنوا بها } .
إن إعراضهم عن الحق حجبهم عن رؤية دلائل الإيمان ، ومعجزات الرسل ، وجمال التشريع الإلهي وسموه ، فإذا شاهدوا آيات التنزيل أو معجزات الرسل عماهم الهوى عن الإيمان بهذه الآيات .
2 – { وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا } .
إذا شاهدوا طريق الحق والخير والإيمان والفلاح ؛ أبعدوا أنفسهم عنه وساروا في غيره .
3 – { وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا } .
أي : إنهم إذا شاهدوا طريق الضلال والشهوات والمحرمات ؛ هرعوا إليه وساروا فيه .
ثم علل ما سلف من صرفهم عن النظر في الآيات فقال :
{ ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا و كانوا عنها غافلين } .
لقد حجبهم الله عن مواقع رحمته ، وصرفهم عن الاعتبار بآياته ؛ لأنهم أخذوا من آياته سبحانه موفقا معاديا ، فأغمضوا أعينهم عنها ، وكذبوا بها قبل أن ينظروا فيها ويعرفوا وجهها ولو أنهم تدبّروا ما جئنا به وعقلوه ؛ لما فعوا الأباطيل .
{ سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الارض } استئناف مسوق على ما قال شيخ الإسلام لتحذيرهم عن التكبر الموجب لعدم التفكر في الآيات التي كتبت في ألواح التوراة المتضمنة للمواعظ والأحكام أو ما يعمها وغيرها من الآيات التكوينية التي من جملتها ما وعدوا إراءته من دار الفاسقين ، ومعنى صرفهم عنها منعهم بالطبع على قلوبهم فلا يكادون يتفكرون فها ولا يعتبرون بها لإصرارهم على ما هم عليه من التكبر والتجبر كقوله سبحانه : { فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ } [ الصف : 5 ] أي سأطبع على قلوب الذين يعدون أنفسهم كبراء ويرون أن لهم ارتفاعاً ف العالم السفلي ومزية على الخلق فلا ينتفعون بآياتي ولا يغتنمون مغانم آثارها فلا تسلكوا مسلكهم فتكونوا أمثالهم ، وقيل : هو جواب سؤال مقدر ناشىء من الوعد بإدخال أرض الجبابرة والعمالقة على أن المراد بالآيات ما تلي آنفاً ونظائره وبالصرف عنها إزالة المتكبرين عن مقام معارضتها وممانعتها لوقوع أخبارها وظهور أحكامها وآثارها بإهلاكهم على يد موسى أو يوشع عليهما السلام ، كأنه قيل : كيف ترى دارهم وهم فيها ؟ فقيل لهم : سأهلكهم ، وإنما عدل إلى الصرف ليزدادوا ثقة بالآيات واطمئناناً بها ؛ وعلى هذين القولين يكون الكلام مع موسى عليه السلام ، والآية متعلقة إما بقوله سبحانه : { سأوريكم } [ الأعراف : 145 ] وإما بما تقدمه على الوجه الذي أشير إليه آنفاً ، وجوز الطيبي كونها متصلة بقوله تعالى : { وَأَمَرُّ } [ الأعراف : 145 ] الخ على معنى الأمر كذلك ؛ وأما الإرادة فإني سأصرف عن الأخذ بآياتي أهل الطبع والشقاوة ، وقيل : الكلام مع كافري مكة والآية متصلة بقوله عز شأنه : { أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الارض مِن بَعْدِ أَهْلِهَا } [ الأعراف : 100 ] الآية ، وإيراد قصة موسى عليه السلام وفرعون للاعتبار أي سأصرف المتكبرين عن إبطال الآيات وإن اجتهدوا كما فعل فرعون فعاد عليه فعله بعكس ما أراد ، وقيل : إن الآية على تقدير كون الكلام مع قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتراض في خلاف ما سيق للاعتبار ومن حق من ساق قصة له أن ينبه على مكانه كلما وجد فرصة التمكن منه ، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لإظهار الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر مع أن في المؤخر نوع طول يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الجليل ، واحتج بالآية بعض أصحابنا على أن الله تعالى قد يمنع عن الإيمان ويصد عنه وهو ظاهر على تقرير أن يراد بالصرف المنع عن الإيمان وليس بمتعين كما علمت ، وقد خاض المعتزلة في تأويلها فأولوها بوجوه ذكرها الطبرسي { بِغَيْرِ الحق } إما صلة للتكبر على معنى يتكبرون ويتعززون بما ليس بحق وهو دينهم الباطل وظلمهم المفرط أو متعلق بمحذوف هو حال من فاعله أي يتكبرون ملتبسين بغير الحق ومآله يتكبرون غير محقين لأن التكبر بحق ليس إلا لله تعالى كما في الحديث القدسي الذي أخرجه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
«الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما قذفته في النار » . وقيل : المراد أنهم يتكبرون على من لا يتكبر كالأنباء عليهم السلام لأنه الذي يكون بغير حق ، وأما التكبر على المتكبر فهو بحق لما في الأثر التكبر على المتكبر صدقة ، وأنت تعلم أن هذا صورة تكبر لا تكبر حقيقة فلعل مراد هذا القائل : إن التقييد بما ذكر لإظهار أنهم يتكبرون حقيقة .
{ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا } عطف على يتكبرون داخل معه في حكم الصلة ، والمراد بالآية إما المنزلة فالمراد برؤيتها مشاهدتها والإحساس بها بسماعها أو ما يعمها وغيرها من المعجزات ، فالمراد برؤيتها مطلق المشاهدة المنتظمة للسماع والإبصار ، وفسر بعضهم الآيات فيما تقدم بالمنصوبة في الآفاق والأنفس ، والآية هنا بالمنزلة أو المعجزة لئلا يتوهم الدور على ما قيل فليفهم ، وجوز أن يكون عطفاً على سأصرف للتعليل على منوال قوله سبحانه : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودُ وسليمان عِلْماً وَقَالاَ الحمد لِلَّهِ } [ النمل : 15 ] على رأي صاحب المفتاح ، وأياً ما كان فالمراد عموم النفي لا نفي العموم أي كفروا بكل أية آية { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد } أي طريق الهدى والسداد { لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } أي لا يتوجهون إليه ولا يسلكونه أصلاً لاستيلاء الشيطنة عليهم .
وقرأ حمزة . والكسائي { الرشد } بفتحتين ، وقرىء { الرشاد } وثلاثها لغات كالسقم والسقم والسقام ، وفرق أبو عمرو كما قال الجبائي بين الرشد والرشد بأن الرشد بالضم الصلاح في الأمر والرشد بالفتح الاستقامة في الدين ، والمشهور عدم الفرق { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الغى } أي طريق الضلال { يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } أي يختارونه لأنفسهم مسلكاً مستمراً لا يكادون يعدلون عنه لموافقته لأهوائهم وإفضائه بهم إلى شهواتهم { ذلك } أي المذكور من التكبر وعدم الإيمان بشيء من الآيات وإعراضهم عن سبيل الهدى وإقبالهم التام إلى سبيل الضلال حاصل { بِأَنَّهُمْ } أي بسبب أنهم { كَذَّبُواْ باياتنا } الدالة على بطلان ما اتصفوا به من القبائح وعلى حقية أضدادها { وَكَانُواْ عَنْهَا غافلين } غير معتدين بها فلا يتفكرون فيها وإلا لما فعلوا ما فعلوا من الأباطيل ، وجوز غير واحد أن يكون ذلك إشارة إلى الصرف ، وما فيه من البحث يدفع بأدنى عناية كما لا يخفى على من مدت إليه العناية أسبابها ، وأياً ما كان فاسم الإشارة مبتدأ والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبراً عنه كما أشرنا إليه .
وقيل : محل اسم الإشارة النصب على المصدر أي سأصرفهم ذلك الصرف بسبب تكذيبهم بآياتنا وغفلتهم عنها ، ولا مانع من كون العامل أصرف المقدم لأن الفاصل ليس بأجنبي .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الارض بِغَيْرِ الحق } [ الأعراف : 146 ] هم الذين في مقام النفس فيكون تكبرهم حجاباً لهم عن آيات الله تعالى وأما المتكبرون بالحق وهم الذي فنيت صفاتهم وظهرت عليهم صفات مولاهم فليسوا بمحجوبين ولا يعد تكبرهم مذموماً لأنه ليس تكبرهم حقيقة وإنما حظهم منه كونهم مظهراً له .
وأما غيرهم ، فقال عنهم : سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ أي : عن الاعتبار في الآيات الأفقية والنفسية ، والفهم لآيات الكتاب الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أي : يتكبرون على عباد اللّه وعلى الحق ، وعلى من جاء به ، فمن كان بهذه الصفة ، حرمه اللّه خيرا كثيرا وخذله ، ولم يفقه من آيات اللّه ما ينتفع به ، بل ربما انقلبت عليه الحقائق ، واستحسن القبيح .
وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا لإعراضهم واعتراضهم ، ومحادتهم للّه ورسوله ، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ أي : الهدى والاستقامة ، وهو الصراط الموصل إلى اللّه ، وإلى دار كرامته لا يَتَّخِذُوهُ أي : لا يسلكوه ولا يرغبوا فيه وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ أي : الغواية الموصل لصاحبه إلى دار الشقاء يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا والسبب في انحرافهم هذا الانحراف ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ فردهم لآيات اللّه ، وغفلتهم عما يراد بها واحتقارهم لها - هو الذي أوجب لهم من سلوك طريق الغي ، وترك طريق الرشد ما أوجب .