تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{حمٓ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير القرآن الكريم الجزء السادس والعشرون من القرآن الكريم

الدكتور عبد الله شحاتة

تفسير سورة الأحقاف

أهداف سورة الأحقاف

سورة الأحقاف مكية ، وآياتها 35 آية ، نزلت بعد سورة الجاثية .

سورة الإيمان والتوحيد

تعرض سورة الأحقاف قضية الإيمان بوحدانية الله ، وربوبيته المطلقة لهذا الوجود ومن فيه وما فيه ، والإيمان بالوحي والرسالة ، والإيمان بالبعث وما وراءه من حساب وجزاء على ما كان في الحياة الدنيا من عمل وكسب ، ومن إحسان وإساءة .

هذه الأسس الأولى التي يقيم عليها الإسلام بناءه كله . ومن ثم عالجها القرآن في كل سوره المكية علاجا أساسيا . وظل يتكئ عليها كذلك في سوره المدنية كلما هم بتوجيه أو تشريع للحياة بعد قيام الجماعة المسلمة والدولة الإسلامية ، ذلك أن طبيعة هذا الدين تجعل قضية الإيمان بوحدانية الله سبحانه ، وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، والإيمان بالآخرة وما فيها من جزاء هي المحور الذي تدور عليه آدابه ونظمه وشرائعه كلها ، وترتبط به أوثق ارتباط ، فتبقى حية حارة تبعث من التأثر الدائم بذلك الإيمان .

وتسلك السورة بهذه القضية إلى القلوب كل سبيل ، وتوقع فيها على كل وتر ، وتعرضها في مجالات شتى ، مصحوبة بمؤثرات كونية ونفسية وتاريخية ، كما أنها تجعلها قضية الوجود كله -لا قضية البشر وحدهم- فتذكر طرفا من قصة الجن مع هذا القرآن ، كما تذكر موقف بعض بني إسرائيل منه ، وتقيم من الفطرة الصادقة شاهدا ، كما تقيم من بعض بني إسرائيل شاهدا سواء بسواء .

ثم هي تطوف بتلك القلوب في آفاق السماوات والأرض ، وفي مشاهد القيامة في الآخرة ، كما تطوف بهم في مصرع قوم هود وفي مصارع القرى حول مكة ، وتجعل من السماوات والأرض كتبا تنطق بالحق كما ينطق هذا القرآن بالحق على السواء .

أربعة مقاطع

تشتمل سورة الأحقاف على أربعة عناصر متماسكة كأنها عنصر واحد ذو أربعة مقاطع :

1- نقاش المشركين :

يبدأ المقطع الأول بالحرفين ( حا . ميم ) . وهي بداية تكررت في ست سور سابقة تسمى بالحواميم . وهي : غافر ، وفصلت ، والشورى ، والزخرف ، والدخان ، والجاثية ، والسورة السابعة هي الأحقاف .

ونلحظ أن هذه السور السبع تبدأ بالحرفين ( حا . ميم ) ، ثم تعقب بذكر الكتاب ، مما يؤيد أن هذه الأحرف نزلت على سبيل التحدي لأهل مكة أن يأتوا بمثل هذا القرآن .

وتشير سورة الأحقاف في بدايتها إلى القرآن فتقول : { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } . ( الأحقاف : 2 ) وعقبها مباشرة الإشارة إلى كتاب الكون وقيامه على الحق وعلى التقدير والتدبير : { ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى . . . } ( الأحقاف : 3 ) . فيتوافق كتاب القرآن المتلو ، وكتاب الكون المنظور ، على الحق والتقدير .

وبعد هذا الافتتاح القوي الجامع يأخذ في عرض قضية العقيدة مبتدئا بإنكار ما كان عليه القوم من الشرك الذي لا يقوم على أساس من واقع الكون ، ولا يستند إلى حق من القول ولا مأثور من العلم . ويعرض بعد هذا سوء استقبالهم للحق الذي جاءهم به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم : { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين } . ( الأحقاف : 7 ) .

ثم يسوق إنكارهم للحق وتطاولهم على الوحي ، واتهامهم النبي بالكذب والافتراء . ويرد عليهم بأن الأمر أجل من مقولاتهم الهازلة ، وادعاءاتهم العابثة ، إذ هو أمر الله العليم الخبير ، يشهد ويقضى ، وفي شهادته وقضائه الكفاية : { أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم } . ( الأحقاف : 8 ) .

ثم يبين أن محمدا ليس بدعا من الرسل فقد سبقه رسل كثيرون ، فهو مبلغ عن الله وملتزم بوحي السماء ، ويسوق حجة أخرى على صدق رسالته ، تتمثل في موقف بعض من اهتدى للحق من بني إسرائيل ، حينما رأى في القرآن مصداق ما يعرف من كتاب موسى عليه السلام . ويستطرد في عرض تعلاتهم ومعاذيرهم الواهية على هذا الإصرار ، وهم يقولون عن المؤمنين : { لو كان خيرا ما سبقونا إليه . . . } ( الأحقاف : 11 ) .

ويشير إلى كتاب موسى من قبله ، وإلى تصديق هذا القرآن له ، وإلى وظيفته ومهنته : { ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين } . ( الأحقاف : 12 ) .

وفي نهاية المقطع الأول يصور لهم جزاء المحسنين ، ويفسر لهم هذه البشرى التي يحملها إليهم القرآن الكريم بشرطها ، وهو الاعتراف بربوبية الله وحده والاستقامة على هذا الاعتقاد ومقتضياته : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } . ( الأحقاف : 13 ) فقد آمنوا بالله وأعلنوا ذلك ، واستقاموا على منهج الإيمان فاستحقوا حياة كريمة في الدنيا ، ونعيما خالدا في الآخرة .

2- الفطرة السليمة والفطرة السقيمة :

يحتوي المقطع الثاني على ست آيات هي الآيات من ( 15-20 ) ، وفيها حديث عن الفطرة في استقامتها وفي انحرافها ، وفيما تنتهي إليه حين تستقيم وما تنتهي إليه حين تنحرف .

يبدأ بالوصية بالوالدين ، وكثيرا ما ترد الوصية بالوالدين لاحقة للكلام عن العقيدة ، لبيان أهمية الأسرة والعمل على ترابطها ، وتذكير الإنسان بأصل نعمته ورعايته .

وتذكرنا الآيات بجهود الأم وفضلها في الحمل والولادة والرضاع .

" إن البويضة بمجرد تلقيحها بالخلية المنوية ، تسعى للالتصاق بجدار الرحم وهي مزودة بخاصية أكالة ، تمزق جدار الرحم الذي تلتصق به وتأكله ، فيتوارد دم الأم على موضعها حيث تسبح هذه البويضة دائما في بركة من دم الأم الغني بكل ما في جسمها من خلاصات ، وتمتصه لتحيا به وتنمو ، وهي دائمة الأكلان لجدار الرحم ، دائمة الامتصاص لمادة الحياة ، والأم المسكينة تأكل وتشرب وتهضم وتمتص لتصب هذا كله دما نقيا غنيا لهذه البويضة الشرهة النهمة الأكول .

وفي فترة تكوين عظام الجنين يشتد امتصاصه للجير من دم الأم فتفتقر إلى الجير ، ذلك أنها تعطى محلول عظامها في الدم ليقوم به هيكل هذا الصغير ، وهذا كله قليل من كثير .

ثم الوضع ، وهو عملية شاقة ، ممزقة ، ولكن آلامها الهائلة كلها لا تقف في وجه الفطرة ، ولا تنسي الأم حلاوة الثمرة ، ثمرة تلبية الفطرة ، ومنح الحياة نبتة جديدة تفيض وتمتد بينما هي تذوي وتموت .

ثم الرضاع والرعاية ، حيث تعطي الأم عصارة لحمها وعظمها في اللبن ، وعصارة قلبها وأعصابها في الرعاية ، وهي مع هذا وذاك فرحة سعيدة رحيمة ودود ، لا تمل أبدا ، ولا تراها كارهة لتعب هذا الوليد ، وأكبر ما تتطلع إليه من جزاء أن تراه يسلم وينمو فهذا هو جزاؤها الحبيب الوحيد " 1 .

وقد تكررت وصية القرآن للأبناء ببر الآباء ، لأن الوالدين قدما كل شيء ، كالنبتة التي ينمو بها النبات فإذا هي قشة ، وكالبيضة التي ينمو منها الكتكوت فإذا هي قشرة .

ومن الواجب رد الجميل والعرفان بالفضل لأهله ، وأن يحسن الإنسان إلى أصله وأن يدعو لهما ، وهو نوع من تكافل الأجيال ، قال تعالى : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 15 ) } . ( الأحقاف : 15 ) .

وهذا النموذج الذي نشاهده في الآية ، نموذج للفطرة المستقيمة التي ترعى أصلها وتتعهد ذريتها ، وهذا النموذج يقبل الله عمله ويحشره في أصحاب الجنة .

أما النموذج الثاني فهو نموذج الانحراف والفسوق والضلال ، نموذج ولد عاق يجحد معروف والديه ، وينكر البعث والجزاء ويقول : { ما هذا إلا أساطير الأولين } . ( الأحقاف : 17 ) .

وهذا النموذج جدير بالخسران ، لقد خسر اليقين والإيمان في الدنيا ، ثم خسر النعيم والرضوان في الآخرة .

وينتهي هذا المقطع من السورة بعرض هذين النموذجين ومصيرهما في النهاية ، ثم يعرض مشهدا من مشاهد القيامة حيث يعرض المتكبرون على النار ، وفي ذلك المشهد نرى الغائب شاهدا ماثلا يستحث النفوس على الهدى ، ويستجيش الفطر السليمة القوية لارتياد الطريق الواصل المأمون .

3- قصة عاد :

يتناول المقطع الثالث من السورة قصة عاد ، وهم قوم نبي الله هود ، ويشمل الآيات ( 20-28 ) .

والقصة هنا تخدم الفكرة وتؤيدها ، فقد أنكر أهل مكة رسالة النبي محمد ، وأعرضوا عن دعوته ، فجاء هذا المقطع يذكرهم بأشباههم وينذرهم أن يصيبهم ما أصاب السابقين .

{ واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف . . . } ( الأحقاف : 21 ) . وأخو عاد هو هود عليه السلام ، دعا قومه إلى التوحيد ، وحذرهم من عذاب الله .

والأحقاف جمع حِقف ، وهو الكثيب المرتفع من الرمال ، وقد كانت منازل عاد على المرتفعات المتفرقة في جنوب الجزيرة ، ويقال إنها كانت في حضرموت .

وقد أنذر أخو عاد قومه ودعاهم إلى عبادة الله وحده ، وحذرهم بطشه وانتقامه ، ولم تؤمن عاد برسالة هود وقابلت دعوته بسوء الظن وعدم الفهم والتحدي والاستهزاء ، واستعجال العذاب الذي ينذرهم به ، فلما رأوا العذاب في صورة سحابة ظنوه مطرا مفيدا لهم : { فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 24 ) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ( 25 ) } . ( الأحقاف : 24-25 ) .

وتقول الروايات إنه أصاب القوم حر شديد ، واحتبس عنهم المطر ، ودخن الجو حولهم من الحر والجفاف ، ثم ساق الله إليهم سحابة ففرحوا بها فرحا شديدا ، وخرجوا يستقبلونها في الأودية وهم يحسبون فيها الماء : { قالوا هذا عارض ممطرنا . . . } وجاءهم الرد بلسان الواقع : { بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها . . . } وهي الريح الصرصر العاتية التي ذكرت في سورة أخرى كما جاء في صفتها : { ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم } . ( الذاريات : 42 ) .

لقد اندفعت الريح تحقق أمر الله وتدمر كل شيء بأمر الله ، فهلك القوم بجميع ما يملكون من أنعام ومتاع وأشياء ، وبقيت مساكنهم خالية موحشة لا ديار فيها ولا نافخ نار .

ويلتفت السياق إلى أهل مكة يلمس قلوبهم ، ويحرك وجدانهم ، ويذكرهم بأن الهالكين كانوا أكثر منهم تمكنا في الأرض ، وأكثر مالا ومتاعا وقوة وعلما ، فلم تغن عنهم قدرتهم ولا قوتهم ، ولم يغن عنهم ثراؤهم ، ولم ينتفعوا بسمعهم وأبصارهم وأفئدتهم ، بل أغلقوا قلوبهم عن سماع الحق ، ولم تغن عنهم آلهتهم التي اتخذوها تقربا إلى الله .

وكذلك يقف المشركون في مكة أمام مصارع أسلافهم من أمثالهم ، فيقفهم أمام مصيرهم هم أنفسهم ، ثم أمام الخط الثابت المطرد المتصل ، خط الرسالة القائمة على أصلها الواحد الذي لا يتغير ، وخط السنة الإلهية التي لا تتحول ولا تتبدل ، وتبدو شجرة العقيدة عميقة الجذور ممتدة الفروع ضاربة في أعماق الزمان ، واحدة على اختلاف القرون واختلاف المكان .

لقد أهلك الله القرى التي كذبت رسلها في الجزيرة ، كعاد بالأحقاف في جنوب الجزيرة ، وثمود بالحجر في شمالها ، وسبأ وكانت باليمن ، ومدين وكانت في طريقهم إلى الشام ، وكذلك قرى قوم لوط وكانوا يمرون بها في رحلة الصيف إلى الشمال .

وقد نوع الله في آياته لعل المكذبين يرجعون إلى ربهم ويثوبون إلى رشدهم .

قال تعالى : { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون } . ( الأحقاف : 27 ) .

4- إيمان الجن :

يتناول المقطع الرابع الحديث عن إيمان الجن ، ويشمل الآيات الأخيرة من سورة الأحقاف .

وقد تحدث القرآن عن الجن فذكر أن أصلهم من نار ، وأن منهم الصالحين ومنهم الظالمين ، وأن لهم تجمعات معينة تشبه تجمعات البشر في قبائل وأجناس ، وأن لهم قدرة على الحياة على هذا الكوكب الأرضي ، ولهم قدرة على الحياة خارج هذا الكوكب ، وللجن قدرة على التأثير في إدراك البشر ، والإيعاز بالشر ، قال تعالى : { قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس * من شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس } . ( الناس : 1-6 ) . ومن خصائص الجن أن يرى الناس ولا يراه الناس ، لقوله تعالى عن إبليس وهو من الجن : { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم . . . } ( الأعراف : 27 ) .

وقد تحدثت الآيات الأخيرة من السورة عن إيمان الجن الذين استمعوا لهذا القرآن ، فتنادوا بالإنصات ، واطمأنت قلوبهم إلى الإيمان ، وانصرفوا إلى قومهم منذرين يدعونهم إلى الله ، ويبشرونهم بالغفران والنجاة ، ويحذرونهم الإعراض والضلال .

وهذا الأمر في ظاهره الخير عن إيمان الجن ، ومع ذلك فهو يصور أثر هذا القرآن في القلوب ، فعندما سمعت الجن تلاوة القرآن قالوا : أنصتوا ، وعندما تأثرت قلوبهم انطلقوا إلى قومهم يتحدثون عن القرآن والإيمان ، ويعرضون دعوة الإسلام على قومهم ، وبفضل القرآن صاروا دعاة هداة ملك القرآن عليهم نفوسهم ، فانطلقوا يحملون الهداية والرحمة لقومهم ، ثم يتحدثون عن الصلة الوثيقة بين القرآن والتوراة ، وبين محمد وموسى ، فالجميع من عند الله لهداية خلق الله : { قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاب أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم } . ( الأحقاف : 30 ) .

وهذا القول من الجن يفيد ما بين الرسل جميعا من آصرة الأخوة ، فربهم واحد ، ودعوتهم واحدة ، وفكرتهم أساسها هداية الناس ومحاربة الرذائل ، والتعاون على الخير والمعروف ، والعداء بين الأديان إنما جاء من سوء الفهم أو من تحريف الإنسان للوحي .

كذلك ورد على لسان الجن إشارة إلى كتاب الكون المفتوح ، ودلالته على قدرة الله الظاهرة في خلق السماوات والأرض ، الشاهدة لقدرته على الإحياء والبعث ، وهي القضية التي يجادل فيها البشر وبها يجحدون .

وبمناسبة البعث يعرض السياق مشهدا من مشاهد القيامة يبدو فيه الكفار وهم يعترفون بالإيمان ، بعد أن كانوا ينكرونه في الدنيا ثم يقال لهم :

{ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } . ( الأحقاف : 34 ) .

وفي ختام السورة توجيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر والمصابرة ، فإنها طريق الرسل ، وما ينبغي للدعاة إلا الصبر والاحتمال .

مقصود السورة إجمالا

قال الفيروزبادي :

إن معظم مقصود سورة الأحقاف هو : إلزام الحجة على عبادة الأصنام ، والإخبار عن تناقض كلام المتكبرين ، وبيان نبوة سيد المرسلين ، وتأكيد ذلك بحديث موسى ، والوصية بتعظيم الوالدين ، وتهديد المتنعمين والمترفين ، والإشادة بإهلاك عاد العادين ، والإشارة إلى الدعوة وإسلام الجن ، وإتيان يوم القيامة فجأة2 ، واستقلال لبث اللابثين في قوله : { فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون } . ( الأحقاف : 35 ) .

1

المفردات :

حم : تقرأ ( حا ميم ) ، وهما حرفان من حروف المعجم للتنبيه ، أو للتحدي والإعجاز ، كما سبق في أول سورة البقرة .

التفسير :

1- { حم } .

حرفان من حروف المعجم ، للتنبيه أو للتحدي والإعجاز ، وبيان أن هذه الأحرف المقطعة مبنى كتاب الله العزيز ، وقد عجزتم عن الإتيان بمثله ، فدل ذلك على أنه ليس من صنع بشر ، وإنما هو تنزيل من حكيم حميد .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{حمٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الأحقاف

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنها نزلت بمكة فأطلق غير واحد القول بمكيتها من غير استثناء واستثنى بعضهم قوله تعالى : { قل أرأيتم إن كان من عند الله } الآية فقد أخرج الطبراني بسند صحيح عن عوف بن مالك الأشجعي أنها نزلت في قصة إسلام عبد الله بن سلام وروي ذلك عن محمد بن سيرين . وفي الدر المنثور أخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن سعد ابن وقاص أنه قال : ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض : إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام وفيه نزلت { وشهد شاهد من بني إسرائيل } وفي نزولها فيه رضي الله تعالى عنه أخبار كثيرة وظاهر ذلك أنها مدنية لأن إسلامه فيها بل في الأخبار ما يدل على مدنيتها من وجه آخر وعكرمة ينكر نزولها فيه ويقول : هي مكية كما أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه وكذا مسروق فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أنه قال في الآية : والله ما نزلت في عبد الله بن سلام ما نزلت إلا بمكة وإنما كان إسلام ابن سلام بالمدينة وإنما كانت خصومة خاصم بها محمد صلى الله عليه وسلم واستثنى بعضهم { والذي قال لوالديه } الآيتين وزعم مروان من لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أباه وهو في صلبه إنهما نزلتا في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما فكذبته عائشة وقالت : كذبت مروان مرتين والله ما هو به ولو شئت أن اسمي الذي أنزلت فيه لسميته ولكن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لعن أبا مروان ومروان في صلبه فمروان فضض أي قطعة من لعنة الله تعالى وفي رواية أنها قالت : إنما نزلت في فلان بن فلان وسمت رجلا آخر واستثنى آخر { ووصينا الإنسان } الآيات الأربع كما حكاه في جمال القراء وحكى أيضا استثناء { فاصبر كما صبر أولوا العزم } الآية ونقله في البحر عن ابن عباس وقتادة وكذا نقل فيه عنهما استثناء { قل أرأيتم } الخ وتمام الكلام في ذلك سيأتي إن شاء الله تعالى وآيها خمس وثلاثون في الكوفي وأربع وثلاثون في غيره والأختلاف في { حم } وتسمى لمجاوزتها الثلاثين ثلاثين أخرج أحمد بسند جيد عن ابن عباس قال : أقرأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة من آل حم وهي الأحقاف وكانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سميت ثلاثين وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها على وجهين أخرج ابن الضريس والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال : أقرأني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سورة الأحقاف فسمعت رجلا يقرؤها خلاف ذلك فقلت : من أقرأكها قال : رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقلت : والله لقد أقرأني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غير ذا فأتينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ألم تقرئني كذا وكذا قال : بلى فقال الآخر : ألم تقرئني كذا وكذا قال : بلى فتمعر وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : ليقرأ كل واحد منكما ما سمع فإنما هلك من كان قبلكم بالأختلاف . وأنت تعلم أن ما تواتر هو القرآن ووجه اتصالها أنه تعالى لما ختم السورة التي قبلها بذكر التوحيد وذم أهل الشرك والوعيد افتتح هذه بالتوحيد ثم بالتوبيخ لأهل الكفر من العبيد .

{ حم تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم } الكلام فيه كالذي تقدم في مطلع السورة السابقة .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{حمٓ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة الأحقاف

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة وتمهيد

1- سورة " الأحقاف " هي السورة السادسة والأربعون في ترتيب المصحف ، أما ترتيبها في النزول فقد كان بعد سورة " الجاثية " .

والذي يراجع ما كتبه العلماء في ترتيب سور القرآن الكريم ، يجد أن الحواميم قد نزلت مرتبة كترتيبها في المصحف .

2- وسورة " الأحقاف " عدد آياتها خمس وثلاثون آية في المصحف الكوفي ، وأربع وثلاثون آية في غيره ، وهي من السور المكية .

قال الآلوسي : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنها نزلت بمكة ، فأطلق غير واحد القول بمكيتها من غير استثناء . .

واستثنى بعضهم قوله –تعالى- : [ قل أرأيتم إن كان من عند الله ، وكفرتم به ، وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ] .

واستثنى بعضهم قوله –تعالى- : [ والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي . . . ] إلى قوله –تعالى- : [ إنهم كانوا خاسرين ] .

3- وقد افتتحت السورة الكريمة بالثناء على القرآن الكريم ، وبيان جانب من مظاهر قدرة الله –تعالى- ، وبتلقين النبي صلى الله عليه وسلم الجواب السديد الذي يرد به على المشركين ، فقال –تعالى- : [ قل أرأيتم ما تدعون من دون الله . أروني ماذا خلقوا من الأرض ، أم لهم شرك في السموات ، ائتوني بكتاب من قبل هذا ، أو أثارة من علم إن كنتم صادقين ] .

ثم تحكي السورة الكريمة بعض الأعذار الزائفة التي اعتذر بها الكافرون وردت عليهم بما يبطلها ، فقال –تعالى- : [ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه ، وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم . . . ] .

4- ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن حسن عاقبة الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ، وعن الوصايا الحكيمة التي أوصى الله –تعالى- بها الأبناء نحو آبائهم ، وعن حسن عاقبة الذين يعملون بتلك الوصايا ، فقال –تعالى- : [ أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ، ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة ، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون ] .

كما بينت السورة الكريمة سوء عاقبة الكافرين ، الذين أعرضوا عن دعوة الحق ، قال –تعالى- : [ ويوم يعرض الذين كفروا على النار ، أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ، واستمتعتم بها ، فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق ، وبما كنتم تفسقون ] .

5- ثم حذرت السورة المشركين من الإصرار على شركهم ، وذكرتهم بما حل بالمشركين من قبلهم كقوم عاد وثمود . . . وبينت لهم أن هؤلاء الكافرين لم تغن عنهم أموالهم ولا قوتهم شيئا ، عندما حاق بهم عذاب الله –تعالى- ، فقال –سبحانه- : [ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ، وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة ، فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء ، إذ كانوا يجحدون بآيات الله ، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون . ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى ، وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون ] .

6- ثم أخذت السورة الكريمة في أواخرها ، في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وفي إدخال السرور على قلبه بأن ذكرته بحضور نفر من الجن إليه ، للاستماع إلى القرآن الكريم ، وكيف أنهم عندما استمعوا إليه أوصى بعضهم بعضا بالإنصات وحسن الاستماع ، وكيف أنهم عندما عادوا إلى قومهم دعوهم إلى الإيمان بالحق الذي استمعوا إليه ، وبالنبي الذي جاء به ، فقال –تعالى- حكاية عنهم : [ يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به ، يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ] .

ثم ختمت السورة الكريمة بأمره صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذى قومه ، فقال –تعالى- :

[ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم . كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ، بلاغ ، فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ] .

7- والمتأمل في سورة " الأحقاف " يراها ، قد أقامت الأدلة على وحدانية الله –تعالى- ، وعلى كمال قدرته . وعلى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن هذا القرآن من عند الله ، وعلى أن يوم القيامة حق .

أقامت الأدلة على كل ذلك ، بأبلغ الأساليب وأحكمها ، ومن ذلك أنها ساقت ألوانا من مظاهر قدرة الله –تعالى- في خلقه ، كما ذكرت شهادة شاهد من بني إسرائيل على أن الإسلام هو الدين الحق . كما طوفت بالناس في أعماق التاريخ لتطلعهم على مصارع الغابرين ، الذين أعرضوا عن دعوة الحق ، كما عقدت عدة مقارنات بين مصير الأخيار ومصير الأشرار . .

وبذلك تكون السورة قد ساقت من الأدلة ما فيه الكفاية والإقناع لأولي الألباب ، على أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . .

القاهرة – مدينة نصر

صباح السبت 10 من شهر ربيع الأول سنة 1406 ه

23/11/1985 م

كتبه الراجي عفو ربه

د . محمد سيد طنطاوي

سورة " الأحقاف " من السور التى افتتحت ببعض الحروف الهجائية ، وأقرب الأقوال إلى الصواب فى معناها أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى افتتاح بعض السور ، للإِشعار بأن هذا القرآن الذى تحدى به الله - تعالى - المشركين ، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التى يعرفونها ، ويقدرون على تأليف الكلام منها ، فإذا عجزوا عن الإِتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه فى الفصاحة والحكمة مرتبةً فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة .

وفضلا عن كل ذلك فإن تصدير بعض السور ، يمثل هذه الحروف المقطعة يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إى الإِنصات والتدبر ، لأنه يطرق أسماعهم فى أول التلاوة بألفاظ غير مألوفة فى مجارى كلامهم .

وذلك مما يلفت أنظارهم ، ليتبينوا ما يراد منها ، فيسمعوا حكما وحججا ومواعظ من شأنها أنها تهديهم إلى الحق ، لو كانوا يعقلون .

وقد سبق أن بينا - بشئ من التفصيل - آراء العلماء فى هذه الحروف المقطعة

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{حمٓ} (1)

مقدمة السورة:

بيان إجمالي للسورة

هذه السورة مكية ، وآياتها خمس وثلاثون . وفيها كثير من الأخبار والمواعظ والتذكير والدلائل التي تبين للناس حقيقة وحدانية الله وتفرده بالخلق وأن ما يدعون من دونه من الأنداد ليس إلا أوهاما وأباطيل .

وفي السورة تنديد كبير بالمشركين الظالمين الذين قالوا : { للحق لما جآءهم هذا سحر مبين } والله جل جلاله يشهد لكتابه الحكيم أنه الحق المنزل من عنده ، ولرسوله الأمين أنه مبعوث من لدنه ، فهو ليس بدعا من الرسل ، وفي السورة توصية من الله للإنسان بوالديه إحسانا مع التنبيه الظاهر إلى عظيم قدر الأم بما كابدته في أمر الولادة والأولاد من شديد العناء والشقاء .

وفي السورة تهديد مرعب ووعيد مخوف للكافرين المكذبين بأنهم يعرضون يوم القيامة على النار ، ويجزون عذاب الهون بسبب استكبارهم في الأرض وفسقهم عن دين الله .

وفي السورة ذكر لنبي الله هود عليه السلام المبعوث إلى قوم عاد بالأحقاف من أرض اليمن ، إذ كذبوا نبيهم تكذيبا فأخذهم الله نكال تكذيبهم ، إذ أرسل عليهم ريحا عاتية تدمر كل شيء . إلى غير ذلك من الأخبار والعبر وألوان التذكير والتنبيه والتحذير .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ حم 1 تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم 2 ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون 3 قل أرءيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين 4 ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون 5 وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين } .

يبين الله لعباده أنه هو منزل القرآن وأنه خالق السموات والأرض بالعدل والحكمة لا للعبث واللهو ، وأن ما يعبده المشركون من آلهة مزعومة لهو افتراء وباطل . وهو قوله : { حم 1 تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } { حم } من فواتح السور . وذلك من متشابه القرآن الذي يوكل علمه إلى منزله سبحانه .