تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ} (52)

50

المفردات :

مدرارا : كثيرة الدر ، يقال : درت السماء تدر درا . أي : أمطرت .

مجرمين : مشركين

التفسير :

52 { وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ } .

كانت عاد أصحاب زروع وماشية وقوة ، وكانوا في أمس الحاجة إلى المطر ؛ لتشرب ماشيتهم وزراعتهم وقبيلتهم ، وذكر المفسرون : 45 أن الله تعالى عاقبهم بحبس المطر فاشتكوا ؛ فأرشدهم هود إلى التوبة والإنابة إلى الله تعالى ، والرجوع إليه مع الإيمان الكامل والإخلاص في التوحيد .

والمعنى : عبدوا الله تائبين إليه ، نادمين على ما فرط منكم طالبين للمغفرة ، فإذا فعلتم ذلك ؛ أرسل الله عليكم المطر متتابعا ، وزادكم قوة إلى قوتكم بالأموال والأولاد ، وعزا إلى عزكم .

{ ولا تتولوا مجرمين } : ولا تعرضوا عن دعوتي مصرين على آثامكم وإجرامكم .

في أعقاب الآية

نلمح في هذه الآية : ما كانت تتمتع به عاد من قوة وبأس ، وبسطة في الجسم والرزق ، وتفيد آيات أخرى هذا المعنى ، قال تعالى : { فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } . ( فصلت : 15 ) .

وقال سبحانه : { أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ و َأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ*إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } . ( الشعراء : 127 135 ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ} (52)

{ و ياقوم استغفروا رَبَّكُمْ } من الشرك { ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } أي ارجعوا إليه تعالى بالطاعة أو توبوا إليه سبحانه وأخلصوا التوبة واستقيموا عليها ، وقيل : الاستغفار كناية عن الإيمان لأنه من روادفه ، وحيث أن الإيمان بالله سبحانه لا يستدعي الكفر بغيره لغة قيل : { ثُمَّ تُوبُواْ } فكأنه قيل : آمنوا به ثم توبوا إليه تعالى من عبادة غيره ، وتعقب بأن قوله سبحانه : { اعْبُدُواْ الله } [ هود : 50 ] دل على اختصاصه تعالى بالعبادة فلو حمل { استغفروا } على ما ذكر لم يفد فائدة زائدة سوى ما علق عليه ، وقد كان يمكن تعليقه بالأول ، والحمل على غير الظاهر مع قلة الفائدة مما يجب الاحتراز عنه في كلام الله تعالى المعجز ، وقيل : المراد بالاستغفار التوبة عن الشرك وبالتوبة التوبة عما صدر منهم غير الشرك ، وأورد عليه أيضاً أن الإيمان يحبّ ما قبله ، وقيل : المراد بالأول طلب المغفرة بالإيمان . وبالثاني التوسل إليه سبحانه بالتوبة عن الشرك ، وأورد عليه أن التوسل المذكور لا ينفك عن طلب المغفرة بالإيمان لأنه من لوازمه فلا يكون بعده كما تؤذن به { ثُمَّ } وقيل : وقيل وقد تقدم بعض الكلام في ذلك أول السورة .

{ يُرْسِلِ السماء } أي المطر كما في قوله

: إذا ( نزل السماء ) بأرض قوم *** رعيناه وإن كانوا غضابا {

عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً } كثير الدر متتابعة من غير إضرار فمفعال للمبالغة كمعطار . ومقدام .

{ وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ } أي عزاً مضموماً إلى عزكم أو مع عزكم ويرجع هذا إلى قوله تعالى : { وَيُمْدِدْكُمْ بأموال وَبَنِينَ } [ نوح : 12 ] لأن العز الدنيوي بذلك ، وعن الضحاك تفسير القوة بالخصب ، وعن عكرمة تفسيرها بولد الولد ، وقيل : المراد بها قوة الجسم ، ورغبهم عليه السلام بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زروع وبساتين وعمارات ، وقيل : حبس الله تعالى عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين فوعدهم هود عليه السلام على الاستغفار والتوبة كثرة الأمطار وتضاعف القوة بالتناسل ، وقيل : القوة الأولى في الإيمان . والثانية في الأبدان أي يزدكم قوة في إيمانكم إلى قوة في أبدانكم { وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ } أي لا تعرضوا عما دعوتكم إليه { مُّجْرِمِينَ } مصرين على ما أنتم عليه من الإجرام ، وقيل : مجرمين بالتولي وهو تكلف .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ} (52)

ثم أرشدهم إلى ما يؤدى إلى زيادة غناهم وقوتهم ، وحذرهم من سوء عاقبة البطر والأشر فقال : { وياقوم استغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ } .

والاستغفار : طلب المغفرة من الله - تعالى - وعدم المؤاخذة على الخطايا :

والتوبة : العزم على الإِقلاع عن الذنب ، مع الندم على ما حصل منه فى الماضى .

أى : ويا قوم استغفروا ربكم مما فرط منكم من شرك وعصيان ، ثم عودوا إليه بالتوبة الصادقة النصوح .

وثم هنا للترتيب الرتبى ، لأن الإِقلاع عن الذنب مع المداومة على ذلك : مقدم على طلب المغفرة .

وجملة { يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً } جواب الأمر فى قوله { استغفروا } .

والمراد بالسماء هنا السحاب أو المطر ، تسمية للشئ باسم مصدره .

ومدرارا : مأخوذ من الدر أى : سيلان اللبن وكثرته . ثم استعير للمطر الغزير يقال : درت السماء بالمطر تدر وتدر درا . . . إذا كثر نزول المطر منها .

وهو حال من السماء ، ولم يؤنث مع أنه حال من مؤنث ، باعتبار أن المراد بالسماء هنا المطر أو السحاب .

والمعنى : أن هودا - عليه السلام - قال لقومه يا قوم اعبدوا الله واستغفروه وتوبوا إليه . . فإنكم إن فعلتم ذلك أرسل الله - تعالى - عليكم المطر غزيرا متتابعا فى أوقات حاجتكم إليه ؛ لتشربوا منه وتسقوا به دوابكم وزروعكم .

وجملة { وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ } معطوفة على ما قبلها .

أى : وأيضا إن فعلتم ذلك زادكم الله - تعالى - عزا إلى عزكم ، وزيادة القوة ، لأنهم كانوا أصحاب زروع وبساتين وعمارات . وقيل : " حبس الله عنوهم المطر وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين ، فوعدهم هود على الاستغفار والتوبة كثرة الأمطار ، ومضاعفة القوة بالتناسل . . " ثم حذرهم من مقابلة نعم الله بالكفر والجحود فقال : { وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ } والتولى : هو الإِعراض عن الشئ بإصرار وعناد .

أى : ولا تتولوا عما دعوتكم إليه وأنتم مصرون على ما أنتم عليه من إجرام وجحود وعناد .

وإلى هنا يكون هود - عليه السلام - قد وضح لقومه دعوته ، ورغبهم فى الاستجابة لها ، وحذرهم من الإِعراض عنها ، وناداهم بلفظ - يا قوم - ثلاث مرات ، توددوا إليهم ، وتذكيرا لهم بآصرة القرابة التى تجمعهم وإياه .

لعل ذلك يستثير مشاعرهم ، ويحقق امطئنانهم إليه ، فإن الرائد لا يكذب أهله .