تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ قَالَ لَهُمۡ هَٰرُونُ مِن قَبۡلُ يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوٓاْ أَمۡرِي} (90)

{ ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإنّما ربّكم الرحمن فاتّبعوني وأطيعوا أمري ( 90 ) قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ( 91 ) قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلّوا ( 92 ) ألا تتّبعني أفعصيت أمري ( 93 ) قال يا ابن أُمَّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قومي ( 94 ) قال فما خطبك يا سامري ( 95 ) قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سوّلت لي نفسي ( 96 ) قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرّقنّه ثم لننسفنّه في اليم نسفا ( 97 ) إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما ( 98 ) }

المفردات :

فتنتم به : وقعتم في الفتنة والضلال .

فاتبعوني : في الثبات على الحق .

90

التفسير :

38- { ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به . . . }

إن هارون رسول الله لم يقصر في نصيحتهم ، حيث بين لهم : أن هذا العجل الذي صنعه السامريّ من الذهب ، وأودع فيه الأنابيب ، لتحدث هذا الخوار ؛ اختبار وامتحان لكم ؛ ليظهر مدى ثبات إيمانكم ، ومدى طاعتكم لربّكم .

{ وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري } .

وإن ربكم المستحق للعبادة ، هو الرحمن الخالق الرازق ، الذي نجاكم من الذّل ، وأسبغ عليكم نعمه فاتبعوني في طاعتي لله ، وأطيعوا أمري في الثبات على عبادة الله ، وترك عبادة العجل .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ قَالَ لَهُمۡ هَٰرُونُ مِن قَبۡلُ يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوٓاْ أَمۡرِي} (90)

{ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هارون مِن قَبْلُ } مع ما بعد جملة قسمية مؤكدة لما سبق من الإنكار والتشنيع ببيان عتوهم واستعصائهم على الرسول إثر بيان مكابرتهم لقضية العقول أي وبالله لقد نصح لهم هارون ونبههم على كنه الأمر من قبل رجوع موسى عليه السلام إليهم وخطابه إياهم بما ذكر من المقالات ، وإلى اعتبار المضاف إليه قبل ما ذكر ذهب الواحدي ، وقيل : من قبل قول السامري { هذا إلهكم وإله موسى } [ طه : 88 ] كأنه عليه السلام أول ما أبصره حين طلع من الحفيرة تفرس فيهم الافتتان فسارع إلى تحذيرهم ، واختاره صاحب الكشف تبعاً لشيخه وقال : هو أبلغ وأدل على توبيخهم بالإعراض عن دليل العقل والسمع في { أَفَلاَ يَرَوْنَ } [ طه : 89 ] واختار بعضهم الأول وادعى أن الجواب يؤيده ، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في ذلك .

وجوز العلامة الطيبي في هذه الجملة وجهين كونها معطوفة على قوله تعالى : { أَفَلاَ يَرَوْنَ } [ طه : 89 ] وقال : إن في إيثار المضارع فيه دلالة على استحضار تلك الحالة الفظيعة في ذهن السامع واستدعاء الإنكار عليهم ، وكونها في موضع الحال من فاعل { يَرَوْنَ } [ طه : 89 ] مقررة لجهة الإنكار أي أفلا يرون والحال أن هارون نبههم قبل ذلك على كنه الأمر ، وقال لهم : { يا قوم إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ } أي أوقعتم في الفتنة بالعجل أو أضللتم على توجيه القصر المستفاد من كلمة { إِنَّمَا } في أغلب استعمالاتها إلى نفس الفعل بالقياس إلى مقابله الذي يدعيه القوم لا إلى قيده المذكور بالقياس إلى قيد آخر على معنى إنما فعل بكم الفتنة لا الإرشاد إلى الحق لا على معنى إنما فتنتم بالعجل لا بغيره ، وقوله تعالى : { وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن } بكسر همزة { إن } عطفاً على { إِنَّمَا } الخ إرشاد لهم إلى الحق أثر زجرهم عن الباطل . والتعرض لعنوان الربوبية والرحمة للاعتناء باستمالتهم إلى الحق . وفي ذلك تذكير لتخليصهم من فرعون زمان لم يوجد العجل . وكذا على ما قيل تنبيه على أنهم متى تابوا قبلهم . وتعريف الطرفين لإفادة الحصر أي وإن ربكم المستحق للعبادة هو الرحمن لا غير .

وقرأ الحسن . وعيسى . وأبو عمرو في رواية { وَإِنَّ رَبَّكُمُ } بفتح الهمزة ، وخرج على أن المصدر المنسبك خبر مبتدأ محذوف أي والأمر أن ربكم الرحمن ، والجملة معطوفة على ما مر ، وقال أبو حاتم : التقدير ولأن ربكم الخ وجعل الجار والمجرور متعلقاً باتبعوني . وقرأ فرقة { إِنَّمَا وَأنَّ رَبَّكُمُ } بفتح الهمزتين ، وخرج على لغة سليم حيث يفتحون همزة إن بعد القول مطلقاً . والفاء في قوله تعالى : { فاتبعوني وَأَطِيعُواْ أَمْرِي } لترتيب ما بعدها على ما قبلها من مضمون الجملتين أي إذا كان الأمر كذلك فاتبعوني وأطيعوا أمري في الثبات على الدين .

وقال ابن عطية : أي فاتبعوني إلى الطور الذي واعدكم الله تعالى إليه ، وفيه أنه عليه السلام لم يكن بصدد الذهاب إلى الطور ولم يكن مأموراً به وما واعد الله سبحانه أولئك المفتونين بذهابهم أنفسهم إليه ، وقيل : ولا يخلو عن حسن أي فاتبعوني في الثبات على الحق وأطيعوا أمري هذا وأعرضوا عن التعرض لعبادة ما عرفتم أمره أو كفوا أنفسكم عن اعتقاد الوهيته وعبادته .