بلحيتي ولا برأسي : بشعر لحيتي ولا بشعر رأسي .
94- { قال يا ابن أمَّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل ولم ترقُب قولي } .
قال هارون مستعطفا أخاه موسى : { يبنؤمّ } . أي : يا أخي : لا تأخذ بشعر رأسي ، ولا بشعر لحيتي ، غاضبا مني محتدّا علي ، فإني رأيت من الحكمة الصبر والانتظار والتريث ؛ حتى تحضر أنت ، فتتدارك الموقف ، وقد خشيت أن أقاتل الكافرين ، عبّاد العجل ؛ فيتفرّق الناس إلى فريقين ، ويترك ذلك من الإحن والبغضاء في النفوس ما يترك ، وربما صعب تدارك الموقف ، إذ يترسّخ النفور والبغض بين فريقين .
وخلاصة ذلك : إني رأيت من صواب الأمر ، أن أحفظ العامة ، وأداريهم على وجه لا يختل به نظامهم ؛ ولا يكون سببا للومك ، حتى ترجع فتتدارك الأمر بحسب ما ترى ؛ لاسيما أن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني .
قال الزمخشري في تفسير الكشاف :
كان موسى عليه السلام رجلا حديدا مجبولا على الحدّة والخشونة ، والتصلب في كل شيء ، شديد الغضب لله ولدينه ، فلم يتمالك حين رأى قومه يعبدون عجلا من دون الله ، من بعد ما رأوا الآيات العظام ؛ أن ، ألقي ألواح التوراة ؛ لما غلب ذهنه من الدهشة العظيمة ؛ غضبا لله واستنكافا وحمية ، وعنف بأخيه وخليفته على قومه ، فأقبل عليه إقبال العدو المكاشف قابضا على شعر رأسه- وكان أفْرعا- وعلى شعر وجهه يجره إليه . 1 ه .
وقد تحدث القرآن عن هذه المعاني في سورة الأعراف ، وأضاف هناك إحساس بعض عبّاد العجل بالندم والخجل ، وأن من أصر على عبادة العجل واتخاذه إلها ؛ فله غضب وذلة في الدنيا وعقوبة في الآخرة ، وأن من تاب ؛ تاب الله عليه .
قال تعالى : { واتخذ قوم موسى من بعده من حليّهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلّمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين . ولمّا سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلّوا قالوا لئن لم يرحمنا ربّنا يغفر لنا لنكوننّ من الخاسرين . ولما رجع موسى إلى قومه غضبا أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه قال ابن أمَّ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلوني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين . قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين . إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربّهم وذلّة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين . والذين عملوا السيئات ثم ثابوا من بعدها وآمنوا إن ربّك من بعدها لغفور رحيم } . ( الأعراف : 153 ، 148 ) .
{ قَالَ يَابن أم } خص الأم بالإضافة استعطافاً وترقيقاً لقلبه لا لما قيل من أنه كان أخاه لأمه فإن الجمهور على أنهما كانا شقيقين .
وقرأ حمزة . والكسائي { الارض أَمْ } بكسر الميم { لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي } أي بشعر رأسي فإن الأخذ أنسب به ، وزعم بعضهم أن قوله : { بِلِحْيَتِي } على معنى بشعر لحيتي أيضاً لأن أصل وضع اللحية للعضو النابت عليه الشعر ولا يناسبه الأخذ كثير مناسبة ، وأنت تعلم أن المشهور استعمال اللحية في الشعر النابت على العضو المخصوص ، وظاهر الآيات والأخبار أنه عليه السلام أخذ بذلك . روي أنه أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله وكان عليه السلام حديداً متصلباً غضوباً لله تعالى وقد شاهد ما شاهد وغلب على ظنه تقصير في هارون عليه السلام يستحق به وإن لم يخرجه عن دائرة العصمة الثابتة للأنبياء عليهم السلام التأديب ففعل به ما فعل وباشر ذلك بنفسه ولا محذور فيه أصلاً ولا مخالفة للشرع فلا يرد ما توهمه الإمام فقال : لا يخلو الغضب من أن يزيل عقله أولاً والأول لا يعتقده مسلم والثاني لا يزيل السؤال بلزوم عدم العصمة وأجاب بما لا طائل تحته .
وقرأ عيسى بن سليمان الحجازي { بِلِحْيَتِي } بفتح اللام وهي لغة أهل الحجاز { إِنّى خَشِيتُ } الخ استئناف لتعليل موجب النهي بتحقيق أنه غير عاص أمره ولا مقصر في المصلحة أي خشيت لو قاتلت بعضهم ببعض وتفانوا وتفرقوا أو خشيت لو لحقتك بمن آمن { أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرءيلَ } برأيك مع كونهم أبناء واحد كما ينبئ عن ذلك ذكرهم بهذا العنوان دون القوم ونحوه ، واستلزام المقاتلة التفريق ظاهر ، وكذا اللحوق بموسى عليه السلام مع من آمن وربما يجر ذلك إلى المقاتلة . وقيل : أراد عليه السلام بالتفريق على التفسير الأول ما يستتبعه القتال من التفريق الذي لا يرجى الاجتماع .
{ وَلَمْ تَرْقُبْ } أي ولم تراع { قَوْلِي } والجملة عطف على { فَرَّقْتَ } أي خشيت أن تقول مجموع الجملتين وتنسب إلى تفريق بني إسرائيل وعدم مراعاة قولك لي ووصيتك إياي ، وجوز أن تكون الجملة في موضع الحال من ضمير { فَرَّقْتَ } أي خشيت أن تقول فرقت بينهم غير مراع قولي أي خشيت أن تقول مجموع هذا الكلام ، وأراد بقول موسى المضاف إلى الياء قوله عليه السلام : { اخلفني فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ } [ الأعراف : 142 ] الخ ، وحاصل اعتذاره عليه السلام إني رأيت الإصلاح في حفظ الدهماء والمداراة معهم وزجرهم على وجه لا يختل به أمر انتظامهم واجتماعهم ولا يكون سبباً للومك إياي إلى أن ترجع إليهم فتكون أنت المتدارك للأمر حسبما تراه لاسيما والقوم قد استضعفوني وقربوا من أن يقتلوني كما أفصح عليه السلام بهذا في آية أخرى .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ما يدل على أن المراد من القول المضاف قول هارون عليه السلام ، وجملة { لَمْ تَرْقُبْ } في موضع الحال من ضمير { تَقُولَ } أي خشيت أن تقول ذلك غير منتظر قولي وبيان حقيقة الحال فتأمل .
وقرى أبو جعفر { وَلَمْ تَرْقُبْ } بضم التاء وكسر القاف مضارع أرقب .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.