تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا} (42)

42- { إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا }

أي : كاد أن يصرفنا عن عبادة الأصنام ، لولا أن قاومنا دعوته ، وانصرفنا عنها ، وتمسكنا بعبادة الأصنام والأوثان .

وفي هذا المعنى يقول تعالى : { وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد* ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق* أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكرى بل لما يذوقوا عذاب } . [ ص : 6-8 ]

ونجد في هذه الآية اعترافا من الكفار بقوة القرآن ، وأثره في النفوس ، وإخلاص الرسول وقوة حجته ، حتى إنه أوشك أن ينقلهم من الكفر والشرك ، إلى الإيمان والتوحيد ، لولا صمودهم وتعاليهم ، وإصرارهم على الكفر ، كما قال تعالى : { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } [ فصلت : 26 ] .

ثم يعاجلهم القرآن ، بمشهد العذاب يوم القيامة ، حين يرون جهنم تتلمظ غيظا على من عصى الله ، عندئذ سيعلمون علم اليقين ، من هو الضال ، ومن هو المهتدي ، أهم أم المؤمنون ، { وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا } .

قال النيسابوري : وإنما يرون العذاب عند كشف الغطاء عن بصر البصيرة .

وقال في المنتخب في تفسير القرآن :

معنى الآية : لقد أوتي هذا الرجل من حسن البيان وقوة الحجة ، ما يجذب السامعين ، ولقد نال من عقائدنا حتى كاد يزحزحنا عن آلهتنا ، ويميلنا إلى إلهه ، ولكننا ثبتنا على آلهتنا وديننا ، وسنبيّن لهم جلية الأمر حين يرون العذاب يوم القيامة ، ويعلمون من هو أثبت في الضلال والغواية .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا} (42)

{ إِن كَادَ } إن مخففة من إن واسمها عند بعض ضمير الشأن محذوف أي إنه كاد { لَيُضِلُّنَا عَنْ ءالِهَتِنَا } أي ليصرفنا عن عبادتها صرفاً كلياً بحيث يبعدنا عنها لاعن عبادتها فقط ، والعدول إلى الإضلال لغاية ضلالهم بادعاء أن عبادتها طريق سوي .

{ لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا } ثبتنا عليها واستمكنا بعبادتها ، و { لَوْلاَ } في أمثال هذا الكلام يجري مجرى التقييد للحكم المطلق من حيث المعنى دون اللفظ ، وهذا اعتراف منهم بأنه صلى الله عليه وسلم قد بلغ من الاجتهاد في الدعوة إلى التوحيد وإظهار المعجزات وإقامة الحجج والبيانات ما شارفوا به أن يتركوا دينهم لولا فرط لجاجهم وغاية عنادهم ، ولا ينافي هذا استحقارهم واستهزائهم السابق لأن هذا من وجه وذاك من وجه آخر زعموه سبباً لذلك قاتلهم الله تعالى . وقيل : إن كلامهم قد تناقض لاضرابهم وتحيرهم فإن الاستفهام السابق دال على الاستحقار وهذا دال على قوة حجته وكمال عقله صلى الله عليه وسلم ففيما حكاه سبحانه عنهم تحميق لهم وتجهيل لاستهزائهم بما استعظموه .

وقيل عليه : إنه ليس بصريح في اعترافهم بما ذكر بل الظاهر أنه أخرج في معرض التسليم تهكماً كما في قولهم { بعث الله رسولاً } [ الفرقان : 41 ] وفيه منع ظاهر والتناقض مندفع كما لا يخفى .

{ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب } الذي يستوجبه كفرهم وعنادهم { مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً } أي يعلمون جواب هذا على أن { مِنْ } استفهامية تبتدأ و { أَضَلَّ } خبرها والجملة في موضع مفعولي { يَعْلَمُونَ } إن كانت تعدت إلى مفعولين أو في موضع مفعول واحد إن كانت متعدية إلى واحد أو يعلمون الذي هو أضل على أن من موصولة مفعول { يَعْلَمُونَ } وأضل خبر مبتدأ محذوف والجملة صلة الموصول . وحذف صدر الصلة وهو العائد لطولها بالتمييز ، وكان أولئك الكفرة لما جعلوا دعوته صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد إضلالاً حيث قالوا { إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءالِهَتِنَا } الخ والمضل لغيره لا بد أن يكون ضالاً في نفسه جيء بهذه الجملة رداً عليهم ببيان أنه عليه الصلاة والسلام هاد لا مضل على أبلغ وجه فإنها تدل على نفي الضلال عنه صلى الله عليه وسلم لأن المراد أنهم يعلمون أنهم في غاية الضلال لا هو ونفي اللازم يقتضي في ملزومه فيلزمه أن يكون عليه الصلاة والسلام هادياً لا مضلاً ، وفي تقييد العلم بوقت رؤية العذاب وعيد لهم وتنبيه على أنه تعالى لا يهملهم وإن أمهلهم .