{ ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين( 14 ) ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين( 15 ) قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم ( 16 ) قال رب بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيرا للمجرمين( 17 ) فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين( 18 ) فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين( 19 ) } .
أشد : قوته ، ما بين 18-30 سنة ، كما في القاموس ، وقال البيضاوي : هو من 30-40 سنة .
واستوى : واعتدل وبلغ المبلغ الذي لا يزاد عليه ، واستوى الرجل : بلغ أشده ، أو أربعين سنة .
14- { ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين } .
سكت القرآن عن الحلقة التالية لحلقة الرضاعة ، وقد كانت هذه الحلقة في كفالة الفرعون ، وقد يلقب موسى بن فرعون ، لكن آيات القرآن تشير إلى رعاية الله له وإلقاء المحبة عليه ، كما قال تعالى : { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } [ طه : 39 ] .
فلا بد أن أمه أخبرته بحقيقة نسبه ، وعشيرته ، والمتوقع أن طبيعة موسى الكريمة تأنف ظلم فرعون وبطشه ، وغشمه ، والمتوقع أن فجوة ما تحدث بين موسى وبين فرعون وحاشيته ، بسبب سلوك موسى الكريم ، الآنف من الظلم .
وتشير الآية إلى أن موسى قد بلغ مبلغ الرجال ، { واستوى } بلغ غاية الكمال الجسمي والعقلي .
قال بعض المفسرين : بلغ أربعين سنة ، وقال بعضهم : ثلاثين سنة ، ونختار أن تكون سنه في ذلك الوقت مقاربة للثلاثين ، لأنه مكث في أرض مدين عشر سنين ثم عاد إلى مصر ، فاختاره الله رسولا .
أي : سيرة الحكماء والعلماء وأخلاقهم وسمتهم قبل البعثة .
أي : وبمثل هذا الفضل والرعاية ، والمعونة والخير ، نجزي كل محسن في عمله ، بأن نفتح له أبواب الفتوح والحكمة والعلم .
ونلاحظ أن هذه الآية من المتشابه ، حيث قال تعالى في سورة يوسف : { ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين } [ يوسف : 22 ] .
ونلمح أن يوسف هنا بلغ مبلغ الرجال ، أي : فيما بين العشرين والثلاثين فهو أقرب إلى سن الخامسة والعشرين .
وفي سورة القصص قال تعالى : { ولما بلغ أشده ، واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين } .
فهذه الآية زادت كلمة : واستوت ، أي : اكتمل جسمه وعقله ورشده ، فهو أقرب إلى سن الثلاثين ، وقد تعددت آراء العلماء في بلوغ الأشد والاستواء .
عن ابن عباس : الأشد ما بين الثامنة عشرة والثلاثين ، والاستواء ما بين الثلاثين والأربعين .
وقال مجاهد : الأشد في الثلاثين ، والاستواء في الأربعين .
وقال الزجاج : الأشد ما بين الثلاثين والأربعين .
بلوغ الأشد في الأصل الانتهاء إلى حد القوة وذلك وقت تمام النمو وغايته ، والاستواء تمام العقل وكماله ونضجه ، وذلك يختلف باختلاف الأقاليم والعصور والأحوال ، ولذا وقع له تفاسير كثيرة في كتب اللغة والتفسير .
{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } أي المبلغ الذي لا يزيد عليه نشؤه ، وقوله تعالى : { واستوى } أي كمل وتم تأكيد وتفسير لما قبله كذا قيل : واختلف في زمان بلوغ الأشد والاستواء فأخرج ابن أبي الدنيا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال الأشد ما بين الثماني عشرة إلى الثلاثين والاستواء ما بين الثلاثين إلى الأربعين فإذا زاد على الأربعين أخذ في النقصان ، وأخرج عبد بن حميد . وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن مجاهد أنه قال الأشد ثلاث وثلاثون سنة والاستواء أربعون سنة وهي رواية عن ابن عباس أيضاً وروي نحوه عن قتادة وقال الزجاج مرة بلوغ الأشد من نحو سبع عشرة سنة إلى الأربعين وأخرى هو ما بين الثلاثين إلى الأربعين واختاره بعضهم هنا وعلل بأن ذلك لموافقته لقوله تعالى : { حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً } [ الأحقاف : 15 ] لأنه يشعر بأنه منته إلى الأربعين وهي سن الوقوف فينبغي أن يكون مبدؤه مبدأه ولا يخلو عن شيء والحق أن بلوغ الأشد في الأصل هو الانتهاء إلى حد القوة وذلك وقت انتهاء النمو وغايته وهذا مما يختلف باختلاف الأقاليم والأعصار والأحوال ولذا وقع له تفاسير في كتب اللغة والتفسير ، ولعل الأولى على ما قيل : أن يقال إن بلوغ الأشد عبارة عن بلوغ القدر الذي يتقوى فيه بدنه وقواه الجسمانية وينتهي فيه نموه المعتد به والاستواء اعتدال عقله وكماله ولا ينبغي تعيين وقت لذلك في حق موسى عليه السلام إلا بخبر يعول عليه لما سمعت من أن ذاك مما يختلف باختلاف الأقاليم والأعصار والأحوال نعم اشتهر أن ذلك في الأغلب يكون في سن أربعين وعليه قول الشاعر :
إذا المرأ وافى الأربعين ولم يكن *** له دون ما يهوى حياء ولا ستر
فدعه ولا تنفس عليه الذي مضى *** وإن جر أسباب الحياة له العمر
وفي قوله تعالى : { حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً } [ الأحقاف : 15 ] ما يستأنس به لذلك . وقد مر طرف من الكلام في الأشد في سورة يوسف فتذكر ولا تغفل . ثم إن حاصل المعنى على ما قيل أخيراً : ولما قوي جسمه ، واعتدل عقله { اتَيْنَاهُ حُكْمًا } أي نبوة على ما روي عن السدي أو علماً هو من خواص النبوة على ما تأول به بعضهم كلامه { وَعِلْماً } بالدين والشريعة . وفي «الكشاف » العلم التوراة والحكم السنة وحكمة الأنبياء عليهم السلام سنتهم . قال الله تعالى : { واذكرن مَا يتلى في بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءايات الله والحكمة } [ الأحزاب : 34 ] وقيل آتيناه سيرة الحكماء العلماء وسمتهم قبل البعث ، فكاه عليه السلام لا يفعل فعلاً يستجهل فيه اه ، ورجح ما قيل بأنه أوفق لنظم القصة مما تقدم ، لأن استنباءه عليه السلام بعد وكز القبطي ، والهجرة إلى مدين ، ورجوعه منها ، وإيتاؤه التوراة كان بعد إغراق فرعون ، فهو بعد الوكز بكثير وبأن قوله تعالى : { وكذلك } أي مثل ذلك الذي فعلناه بموسى وأمه عليهما السلام { نَجْزِى المحسنين } على إحسانهم يأبى حمل ما تقدم على النبوة لأنها لا تكون جزاء على العمل ، ومن ذهب إلى الأول جعل هذا بياناً إجمالياً لإنجاز الوعد بجعله من المرسلين بعد رده لأمه ، وما بعد تفصيل له ، والعطف بالواو لا يقتضي الترتيب ، وكون ما فعل بموسى وأمه عليهما السلام جزاء على العمل باعتبار التغليب .
وقد يقال : إن أصل النبوة وإن لم تكن جزاء على العمل إلا أن بعض مراتبها ، وهو ما فيه مزيد قرب من الله تعالى يكون باعتبار مزيد القرب جزاءً عليه ويرجع ذلك إلى أن مزيد القرب هو الجزاء وتفاوت الأنبياء عليهم السلام في القرب منه تعالى مما لا ينبغي أن يشك فيه ، ورجح ما تقدم بكونه أوفق بقوله تعالى : { وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ } [ القصص : 13 ] واستلزامه حصول النبوة لكل محسن ليس بشيء أصلاً ، ومن ذهب إلى أن هذا الإيتاء كان قبل الهجرة قال : يجوز أن يكون المعنى آتيناه رياسة بين قومه بني إسرائيل بأن جعلناه ممتازاً فيما بينهم ، يرجعون إليه في مهامهم ، ويمتثلونه إذا أمرهم بشيء أو نهاهم عنه ، وعلماً ينتفع به وينفع به غيره ، وذلك إما بمحض الإلهام ، أو بتوفيقه لاستنباط دقائق وأسرار مما نقل إليه من كلمات آبائه الأنبياء عليهم السلام من بني إسرائيل ولا بدع في أن يكون عليه السلام عالماً بما كان عليه آباؤه الأنبياء منهم وبما كانوا يتدينون به من الشرائع بواسطة الإلهام أو بسماع ما يفيده العلم من الأخبار ، ولعل هذا أولى مما نقله في «الكشاف » . وفي الكلام على أواخر سورة البقرة ما تنفعك مراجعته فيراجع .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.