تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (114)

114- { يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين } .

المفردات :

ويسارعون في الخيرات : يبادرون إليها ويتنافسون فيها .

التفسير :

تستمر هذه الآية في رسم صورة وضيئة لمن آمن من اهل الكتاب .

فقد آمنوا إيمانا عميقا بالله واليوم الآخر وعملوا بمقتضى هذا الإيمان فأمروا بالمعروف وأرشدوا الناس إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ونهوا عن المنكر وحذروهم من الكفر وسارعوا إلى فعل الخيرات منتقلين في كل أعمالهم من خير إلى خير وهو بسبب إيمانهم وأفعالهم الحميدة قد خرجوا من صفوف المذمومين إلى صفوف الممدوحين .

قال الفخر الرازي : واعلم أن وصفهم بالصلاح في غاية المدح ويدل عليه القرآن والمعقول .

أما القرآن فهو ان الله تعالى مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء بعد ان ذكروا إدريس وإسماعيل وذي الكفل وغيرهم : { وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين ( الانبياء 86 ) .

وذكر حكاية عن سليمان أنه قال : { وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } ( النمل 19 ) .

وأما المعقول فهو ان الصلاح ضد الفساد وكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد سواء كان ذلك في العقائد أو الأعمال فإذا كان الصلاح معناه الأمثل والأفضل كان الصلاح دالا على أكمل الدرجات59 .

من تفسير الطبري :

{ يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين }

يعني بقوله عز وجل : { يؤمنون بالله واليوم الآخر } ويصدقون بالله والبعث بعد الممات ويعلمون ان الله مجازيهم بأعمالهم وليسوا كالمشركين الذين يجحدون وحدانية الله ويعبدون معه غيره ويكذبون بالبعث بعد الممات وينكرون المجازاة على الأعمال والثواب والعقاب وقوله : ويأمرون بالمعروف : أي يأمرون الناس بالإيمان بالله وتصديق محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به وينهون عن المنكر أي وينهون الناس عن الكفر بالله وتكذيب محمد وما جاءهم به من عند الله يعني بذلك أنهم ليسوا كاليهود والنصارى الذين يأمرون الناس بالكفر وتكذيب محمد فيما آتاهم به من عند الله { ويسارعون في الخيرات } أي يبتدرون فعل الخيرات لان من كان منهم فاسقا باء بغضب من الله لكفره بالله وآياته وعصيانه بربه واعتدائه في حدوده60 .

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

سياج الأمم وأساس رفعتها وتفوقها وقانون بقائها التناصح والتواصي بالحق والصبر وقد مدح الله أمة الإسلام بأنها خير امة إذا حافظت على هذه الأصول الثلاثة : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله ومدح طائفة من أهل الكتاب بثباتهم على الحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد استحق بنو إسرائيل اللعنة من اجل ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

أخرج أبو داود في سننه عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول له : يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد على حالة فلا يمنعه ذلك أن يكون أكليه وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله على قلوب بعضهم ببعض ثم قال صلى الله عليه وسلم { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون } ( المائدة 78-79 ) . ثم قال : كلا والله : لتأمرن ولتنهن عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا – أي ولتحملنه على اتباع الحق حملا- أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم61 .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (114)

{ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر } صفة أخرى لأمة ، وجوز أن تكون حالاً على طرز ما قبلها وإن شئت كما قال أبو البقاء استأنفتها ، والمراد بهذا الإيمان ، الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به على الوجه المقبول ، وخص الله تعالى اليوم الآخر بالذكر إظهاراً لمخالفتهم لسائر اليهود فيما عسى أن يتوهم متوهم مشاركتهم لهم فيه لأنهم يدّعون أيضاً الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر لكن لما كان ذلك مع قولهم : { عُزَيْر ابن الله } [ التوبة : 30 ] وكفرهم ببعض الكتب والرسل ووصفهم اليوم الآخر بخلاف ما نطقت به الشريعة المصطفوية جعل هو والعدم سواء .

{ وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } إشارة إلى وفور نصيبهم من فضيلة تكميل الغير إثر الإشارة إلى وفوره من فضيلة تكميل النفس ، وفيه تعريض بالمداهنين الصادين عن سبيل الله تعالى { ويسارعون في الخيرات } أي يبادرون إلى فعل الخيرات والطاعات خوف الفوات بالموت مثلا ، أو يعملون الأعمال الصالحة راغبين فيها غير متثاقلين لعلمهم بجلالة موقعها وحسن عاقبتها وهذه صفة جامعة لفنون الفضائل والفواضل وفي ذكرها تعريض بتباطؤ اليهود وتثاقلهم عن ذلك ، وأصل المسارعة المبادرة ، وتستعمل بمعنى الرغبة ، واختيار صيغة المفاعلة للمبالغة ، وقيل : ولم يعبر بالعجلة للفرق بينها وبين السرعة ، فإن السرعة التقدم فيما يجوز أن يتقدم فيه وهي محمودة وضدها الإبطاء وهو مذموم ، والعجلة التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه وهي مذمومة وضدها اوناة وهي محمودة ، وإيثار ( في ) على إلى وكثيراً ما تتعدى المسارعة بها للإيذان كما قال شيخ الإسلام : بأنهم مستقرون في أصل الخير متقلبون في فنونه لا أنهم خارجون ( عنها ) منتهون إليها ؛ وصيغة جمع القلة هنا تغني عن جمع الكثرة كما لا يخفى .

{ وَأُوْلئِكَ } أي الموصوفون بتلك الصفات الجليلة الشأن بسبب اتصافهم بها كما يشعر به العدول عن الضمير { مّنَ الصالحين } أي من عداد الذين صلحت عند الله تعالى حالهم وهذا رد لقول اليهود : ما آمن به إلا شرارنا . وقد ذهب الجل إلى أن في الآية استغناءاً بذكر أحد الفريقين عن الآخر على عادة العرب من الاكتفاء بذكر أحد الضدين عن الآخر ، والمراد ومنهم من ليسوا كذلك .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر } أي بالمبدأ والمعاد { وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } حسبما اقتضاه الشرع ولكون ما تقدم نظراً للخصوص لأن إيداع الأسرار عند الأحرار ، وهذا بالنظر إلى العموم لأن الشريعة أوسع دائرة من الحقيقة قدم وأخر { ويسارعون في الخيرات } من تكميل أنفسهم وغيرهم { وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصالحين } [ آل عمران : 114 ] القائمين بحقوق الحق والخلق