{ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خير لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءو بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون }
الفاسقون : الخارجون عن طاعة الله .
110- { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله . . الآية } .
وجدتم خير امة خرجت للناس لأنكم تأمرون بالمعروف أي بالقول أو الفعل الجميل المستحسن في الشرائع والعقول ويأباه أهل الإيمان القويم والعقل السليم44 .
{ كنتم خير امة أخرجت للناس . . أخرجت . . إنه لتعبير يلفت النظر لفظ أخرج وبناؤه للمجهول . . وهو يكاد يشي باليد الخفية المدبرة تخرج هذه الأمة إخراجا وتدفعها إلى الظهور دفعا من ظلمات الغيب ومن وراء الستار السرمدي الذي لا يعلم ما وراءه إلا الله .
إنها للفظة تصور حركة خفية لطيفة الدبيب حركة تخرج على مسرح الوجود أمة . . فيا لها من يد قادرة مدبرة تشي بها لفظة مصورة معبرة45 .
والخطاب في هذه الآية الكريمة بقوله تعالى : { كنتم } للمؤمنين الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم ولمن أتى بعدهم واتبع الإسلام إلى يوم الدين .
جاء في تفسير ابن كثير ما يأتي :
قال ابن عباس في قوله تعالى : { كنتم خير امة أخرجت للناس } قال هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة والصحيح ان هذه الآية عامة في جميع الامة كل قرن بحسبه وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم كما قال في الآية :
{ وكذلك جعلناكم امة وسطا . أي خيارا{ لتكووا شهداء على الناس . . . } ( البقرة 143 ) .
وفي مسند أحمد وجامع الترمذي من رواية حكيم بن معاوية عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنتم توفون سبعين أمة انتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل " 46 وهو حديث مشهور وقد حسنه الترمذي .
وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلوات الله وسلامه عليه فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبي قبله ولا ر سول من الر سل47 .
وقد ساق ابن كثير تفسيره أحاديث كثيرة في فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم ونقل منها الأستاذ محمد علي الصابوني خمسة عشر حديثا نبويا شريفا في كتاب ( مختصر تفسير ابن كثير ) منها ما رواه البخاري ومسلم ومنها ما رواه الإمام احمد ومنها ما روى في كتب السنن وسننقل منها هذا الحديث الشريف :
روى مسلم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " عرضت على الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه احد إذ رفع لي سواد عظيم فظننت انهم أمتي فقيل : هذا موسى وقومه ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل انظر إلى الأفق الآخر فإذا سواد عظيم فقيل لي : هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ) ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب فقال بعضهم : فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئا وذكروا أشياء فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( ما الذي تخوضون فيه ؟ ) فأخبروه فقال ( هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ) فقام عكاشة بن محصن فقال : ادع الله ان يجعلني منهم قال : ( أنت منهم ) ثم قام رجل آخر فقال : ادع الله ان يجعلني منهم قال : سبقك بها عكاشة ) 48 .
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
لقد بين الحق سبحانه وتعالى سبب أفضلية هذه الأمة فقال : { تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } وهم ثلاث ركائز :
الأمر بالمعروف والدعوة إلى الخير والكمال والسير على صراط المستقيم .
والنهي عن المنكر : والتحذير من الفعل القبيح والسلوك المستهجن والنهي عن ارتكاب الفواحش واقتراف المعاصي .
والإيمان بالله : اليقين الجازم بوجوده وطاعته وإخلاص العبادة له والتمسك بأمره والبعد عما نهى عنه .
والآية الكريمة وسام علوي لهذه الأمة إذا قامت بدورها وأدت واجبها وأطاعت خالقها واهتدت بسنة نبيها ورسولها .
فهل وعت الأمة الإسلامية الملئ بالضعف والهوان والفسوق والعصيان والأثرة والتنازع والاختلاف والتخلف والتأخر وضعف الهمم والعزائم كل هذا يدمي قلوب المؤمنين الصادقين .
ولا صالح لآخر هذه الامة إلا بما صلح به أولها : ( إيمان صادق وعمل مخلص وتحمل تبعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) .
قال ابن كثير بعد أن ساق طائفة من الأحاديث النبوية في فضل الأمة المحمدية : فهذه الأحاديث في معنى قوله : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } .
فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا المدح كما قال : قتادة : بلغنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حجة حجها رأى من الناس دعة فقرأ هذه الآية : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } ثم قال ( من سره أن يكون من هذه الأمة فيؤد شرط الله فيها ) رواه ابن جرير .
{ ولو آمن أهل الكتاب لكان خير لهم } .
أي { ولو آمن أهل الكتاب } بما انزل على محمد صلى الله عليه وسلم { لكان خير لهم } : أي لكان إيمانهم خيرا لهم في دنياهم وآخرتهم ولنالوا الخيرية التي ظفرت بها الأمة الإسلامية ولكنهم لم يؤمنوا فامتنع الخير فيهم لامتناع الإيمان الصحيح منهم .
{ منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } أي قليل منهم من يؤمن بالله وما انزل إليكم وما انزل إليهم كعبد الله ابن سلام وأضرابه .
وأكثرهم الفاسقون . أي المتمردون في الكفر الخارجون عن الحدود .
{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } كلام مستأنف سيق لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الاتفاق على الحق والدعوة إلى الخير كذا قيل ، وقيل : هو من تتمة الخطاب الأول في قوله سبحانه وتعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ } [ آل عمران : 102 ] وتوالت بعد هذا خطابات المؤمنين من أوامر ونواهي واستطرد بين ذلك من يبيض وجهه ومن يسود وشيء من أحوالهم في الآخرة ، ثم عاد إلى الخطاب الأول تحريضاً على الانقياد والطواعية ، وكان ناقصة ولا دلالة لها في الأصل على غير الوجود في الماضي من غير دلالة على انقطاع أو دوام ، وقد تستعمل للأزلية كما في صفاته تعالى نحو { وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيماً } [ الأحزاب : 40 ] وقد تستعمل للزوم الشيء وعدم انفكاكه نحو { وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَىء جَدَلاً } [ الكهف : 54 ] ، وذهب بعض النحاة إلى أنها تدل بحسب الوضع على الانقطاع كغيرها من الأفعال الناقصة والمصحح هو الأول وعليه لا تشعر الآية بكون المخاطبين ليسوا خير أمة الآن ، وقيل : المراد كنتم في علم الله تعالى أو في اللوح المحفوظ أو فيما بين الأمم أي في علمهم كذلك ، وقال الحسن : معناه أنتم خير أمة ، واعترض بأنه يستدعي زيادة كان وهي لا تزاد في أول الجملة .
{ أُخْرِجَتْ } أي أظهرت وحذف الفاعل للعلم به { لِلنَّاسِ } متعلق بما عنده ، وقيل : بخير أمة ، وجملة أخرجت صفة لأمة وقيل : لخير ، والأول أولى ، والخطاب قيل : لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وإليه ذهب الضحاك ، وقيل : للمهاجرين من بينهم وهو أحد خبرين عن ابن عباس ، وفي آخر أنه عام لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ويؤيده ما أخرجه الإمام أحمد بسند حسن عن أبي الحسن كرم الله تعالى وجهه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء نصرت بالرعب وأعطيت مفاتيح الأرض وسميت أحمد وجعل التراب لي طهوراً وجعلت أمتي خير الأمم " وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه أن الآية في أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنها نزلت في ابن مسعود وعمار بن ياسر وسالم مولى أبي حذيفة وأبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل ، والظاهر أن الخطاب وإن كان خاصاً بمن شاهد الوحي من المؤمنين أو ببعضهم ، لكن حكمه يصلح أن يكون عاماً للكل كما يشير إليه قول عمر رضي الله تعالى عنه فيما حكى قتادة «يا أيها الناس من سره أن يكون من تلكم الأمة فليؤد شرط الله تعالى منها » وأشار بذلك إلى قوله سبحانه .
{ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } فإنه وإن كان استئنافاً مبيناً لكونهم خير أمة أو صفة ثانية لأمة على ما قيل ، إلا أنه يفهم الشرطية والمتبادر من المعروف ، الطاعات ومن المنكر المعاصي التي أنكرها الشرع . وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس في الآية أن المعنى تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقرّوا بما أنزل الله تعالى وتقاتلونهم عليهم ، ولا إله إلا الله هو أعظم المعروف وتنهونهم عن المنكر والمنكر هو التكذيب وهو أنكر المنكر وكأنه رضي الله تعالى عنه حمل المطلق على الفرد الكامل وإلا فلا قرينة على هذا التخصيص .
{ وَتُؤْمِنُونَ بالله } أريد بالإيمان به سبحانه الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به لأن الإيمان إنما يعتد به ويستأهل أن يقال له إيمان إذا آمن بالله تعالى على الحقيقة وحقيقة الإيمان بالله تعالى أن يستوعب جميع ما يجب الإيمان به فلو أخل بشيء منه لم يكن من الإيمان بالله تعالى في شيء ، والمقام يقتضيه لكونه تعريضاً بأهل الكتاب وأنهم لا يؤمنون بجميع ما يجب الإيمان به كما يشعر بذلك التعقيب بنفي الإيمان عنهم مع العلم بأنهم مؤمنون في الجملة وأيضاً المقام مقام مدح للمؤمنين بكونهم خير أمة أخرجت للناس وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها المعلل للخيرية فلو لم يرد الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به لم يكن مدحاً فلا يصلح للتعليل والعطف يقتضيه وإنما أخر الإيمان عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع تقدمه عليهما وجوداً ورتبة كما هو الظاهر لأن الإيمان مشترك بين جميع الأمم دون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهما أظهر في الدلالة على الخيرية ، ويجوز أن يقال قدمهما عليه للاهتمام وكون سوق الكلام لأجلهما ، وأما ذكره فكالتتميم ، ويجوز أيضاً أن يكون ذلك للتنبيه على أن جدوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدين أظهر مما اشتمل عليه الإيمان بالله تعالى لأنه من وظيفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولو قيل قدما وأخر للاهتمام وليرتبط بقوله تعالى :
{ وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ الكتاب لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } لم يبعد أي لو آمنوا إيماناً كما ينبغي لكان ذلك الإيمان خيراً لهم مما هم عليه من الرياسة في الدنيا لدفع القتل والذل عنهم ، والآخرة لدفع العذاب المقيم ، وقيل : لو آمن أهل الكتاب بمحمد صلى الله عليه وسلم لكان خيراً لهم من الإيمان بموسى وعيسى فقط عليهما السلام ، وقيل : المفضل عليه ما هم فيه من الكفر فالخيرية إنما هي باعتبار زعمهم ، وفيه ضرب تهكم بهم وهذه الجملة معطوفة على { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } مرتبطة بها على معنى ولو آمن أهل الكتاب كما آمنتم وأمروا بالمعروف كما أمرتم ونهوا عن المنكر كما نهيتم لكان خيراً لهم .
{ مّنْهُمُ المؤمنون } كعبد الله بن سلام وأخيه وثعلبة بن شعبة . { وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون } أي الخارجون عن طاعة الله تعالى وعبر عن الكفر بالفسق إيذاناً بأنهم خرجوا عما أوجبه كتابهم ، وقيل : للإشارة إلى أنهم في الكفار بمنزلة الكفار في العصاة لخروجهم إلى الحال الفاحشة التي هي منهم أشنع وأفظع .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ } من مكامن الأزل { لِلنَّاسِ } أي لنفعهم { تَأْمُرُونَ بالمعروف } الموصل إلى مقام التوحيد { وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } وهو القول بتحقق الكثرة على الحقيقة { وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ الكتاب } كإيمانكم { لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } مما هم عليه { مّنْهُمُ المؤمنون } كإيمانكم { وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون } [ آل عمران : 110 ] الخارجون عن حرم الحق