170- { فرحين بما آتاهم الله . . . }
يتألق السرور بالبشر من وجوههم بما أعطاهم الله بسبب فضله من المزايا ويفرحون بإخوانهم الذين تركوهم في الدنيا أحياء مقيمين على منهج الإيمان والجهاد وبأنه لا خوف عليهم من مكروه ولا هم يحزنون لفوات محبوب .
ويقول الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي :
( أي هؤلاء الشهداء فرحون بما آتاهم من فضله من شرف الشهادة ومن الفوز برضا الله ويسرون بما تبين لهم من حسن مآل إخوانهم الذين تركوهم من خلفهم على قيد الحياة لان الأحياء عندما يموتون شهداء مثلهم سينالون رضا الله وكرامته وسيظفرون بتلك الحياة الأبدية الكريمة كما ظفروا هم بها .
فالمراد بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم : رفقائهم الذين كانوا يجاهدون معهم في الدنيا ولم يظفروا بالشهادة بعد لانهم ما زالوا على قيد الحياة ) 136 .
والآيتان من أورع ما يتلى على الجهاد وبيان فضل الشهادة وبيان منزلة الشهداء وجلال ثوابهم وطيب مقامهم ورفعة منزلتهم وهي منزلة يتمناها المؤمن الصادق حياة الشهيد في جوار ربه يتمنى لان يعود إلى الدنيا ليقتل في سبيل الله مرة ومرة ومرة لما يرى من فضل الشهادة ، إن الشهيد قد قدم روحه وضحى بنفسه فكان له الجزاء الأوفى من جنس عمله وكان له حق على الله ان يحفظه من النار وان يدخله الجنة وان يسكنه في أعلى منازل الجنان .
جاءت ام حارثة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول : يا ر سول الله إن حارثة قد قتل في الجهاد فأخبرني أهو في الجنة أم في النار ؟ فإن كان في الجنة صبرت وإن كان في النار بكيت فقال صلى الله عليه وسلم : اتق الله يا ام حارثة لأنها جنان وليست جنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى منها 137 .
وقد تمثل المؤمنون المعاني الكريمة لهذه الآيات والأحاديث فحملوا راية الجهاد في سبيل الله وكان العباد والزهاد والمنقطعون للعبادة في المساجد يرون ان لهم ثوابا عظيما وكانت هناك مساجلات أدبية بين المتعبدين في المساجد والمجاهدين في ميادين الحرب .
روى الحافظ ابن عساكر عن محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال : أملي علي عبد الله بن مبارك هذه الأبيات بطرسوس وأرسلها إلى الفضيل بن عياض سنة 170ه .
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا *** لعلمت انك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه *** فنحرونا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل *** فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا *** وهج السنابك والغبار الاطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا *** قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبار خيل الله في *** أنف امرئ ودخان نار تلهب
هكذا كتاب الله ينطق بيننا *** ليس الشهيد بميت لا يكذب
فلما قرأ هذه الأبيات الفضيل بن عياض ذرفت عيناه في المسجد الحرام وقال : صدق أبو عبد الرحمن فقد صح في الحديث عن أبي هريرة ان رجلا قال : يا رسول الله علمني عملا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم " هل تستطيع ان تصلي فلا تفتر وتصوم فلا تفطر ؟ " فقال يا رسول الله أنا اضعف من ان أستطع ذلك ثم قال صلى الله عليه وسلم : " فوالذي نفسي بيده لو طوقت ذلك ما بلغت المجاهدين في سبيل الله " رواه البخاري 138 .
{ فَرِحِينَ } جوز أن يكون حالا من الضمير في { يُرْزَقُونَ } [ آل عمران : 169 ] أو من الضمير في { أَحْيَاء } أو من الضمير في الظرف ، وأن يكون نصباً على المدح ، أو الوصفية لإحياء في قراءة النصب ومعناه مسرورين { بِمَا ءاتاهم الله } بعد انتقالهم من الدنيا { مِن فَضْلِهِ } متعلق بآتاهم ، ومن إما للسببية أو لابتداء الغاية أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من الضمير المحذوف العائد على الموصول ، ومن للتبعيض والتقدير بما آتاهموه حال كونه كائناً بعض فضله . والمراد بها المؤتى ضروب النعم التي ينالها الشهداء يوم القيامة أو بعد الشهادة أو نفس الفوز بالشهادة في سبيل الله تعالى :
{ وَيَسْتَبْشِرُونَ } أي يسرون بالبشارة ، وأصل الاستبشار طلب البشارة وهو الخبر السار إلا أن المعنى هنا على السرور استعمالاً للفظ في لازم معناه وهو استئناف أو معطوف على { فَرِحِينَ } لتأويله بيفرحون . وجوز أن يكون التقدير وهم يستبشرون فتكون الجملة حالا من الضمير في { فَرِحِينَ } أو من ضمير المفعول في { ءاتاهم } وإنما احتيج إلى تقدير مبتدأ عند جعلها حالا لأن المضارع المثبت إذا كان حالا لا يقترن بالواو .
{ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم } أي باخوانهم الذين لم يقتلوا بعد في سبيل الله تعالى فيلحقوا بهم { مّنْ خَلْفِهِمْ } متعلق بيلحقوا والمعنى أنهم بقوا بعدهم وهم قد تقدموهم . يجوز أن يكون حالا من فاعل { يَلْحَقُواْ } أي لم يلحقوهم متخلفين عنهم باقين بعد في الدنيا .
{ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } بدل من الذين بدل اشتمال مبين لكون استبشارهم بحال إخوانهم لا بذواتهم أي يستبشرون بما تبين لهم من حسن حال إخوانهم الذين تركوهم أحياء وهو أنهم عند قتلهم في سبيل الله تعالى يفوزون كما فازوا ويحوزون من النعيم كما حازوا ، وإلى هذا ذهب ابن جريج وقتادة ، وقيل : إنه منصوب بنزع الخافض أي لئلا ، أو بأن لا وهو معمول ليستبشرون واقع موقع المفعول من أجله أي يستبشرون بقدوم إخوانهم الباقين بعدهم إليهم لأنهم لا خوف عليهم الخ ، فالاستبشار حينئذ ليس بالأحوال .
ويؤيد هذا ما روي عن السدي أنه يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من يقدم عليه من إخوانه يبشر بذلك فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا ، فضمير ، عليهم وما بعده على هذا راجع إلى الذين الأول ، وعلى الأول إلى الثاني ، ومن الناس من فسر الذين لم يلحقوا بالمتخلفين في الفضل عن رتبة الشهداء وهم الغزاة الذين جاهدوا في سبيل الله تعالى ولم يقتلوا بل بقوا حتى ماتوا في مضاجعهم ، فإنهم وإن لم ينالوا مراتب الشهداء إلا أن لهم أيضاً فضلاً عظيماً بحيث لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لمزيد فضل الجهاد ، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر من الآية وإن كان فضل الغزاة وإن لم يقتلوا مما لا يتناطح فيه كبشان ، وأن ، على كل تقدير هي المخففة واسمها ضمير الشأن وخبرها الجملة المنفية ، والمعنى لا خوف عليهم فيمن خلفوه من ذريتهم فإن الله تعالى يتولاهم ولا هم يحزنون على ما خلفوا من أموالهم لأن الله تعالى قد أجزل لهم العوض ، أو لا خوف عليهم فيما يقدمون عليه لأن الله تعالى محص ذنوبهم بالشهادة ولا هم يحزنون على مفارقة الدنيا فرحاً بالآخرة ، أو لا خوف عليهم في الدنيا من القتل فإنه عين الحياة التي يجب أن يرغب فيها فضلاً عن أن يخاف ويحذر ولا هم يحزنون على المفارقة ، وقيل : إن كلا هذين المنفيين فيما يتعلق بالآخرة ، والمعنى أنهم لا يخافون وقوع مكروه من أهوالها ، ولا يحزنون من فوات محبوب من نعيمها ، وهو وجه وجيه . والمراد بيان دوام انتفاء ذلك لا بيان انتفاء دوامه كما يوهمه كون الخبر في الجملة الثانية مضارعاً فإن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام ؛ وقد تقدمت الإشارة إليه .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ فَرِحِينَ بِمَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ } من الكرامة والنعمة والزلفى عنده { وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ } وهم الغزاة الذين لم يقتلوا بعد ، أو السالكون المجاهدون أنفسهم الذين لم يبلغوا درجتهم إلى ذلك الوقت { أَن لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [ آل عمران : 170 ] لفوزهم بالمأمن الأعظم ، والحبيب الأكرم
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.