تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ} (9)

ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون .

أي : ومن خفت موازين أعماله ، أو أعماله التي لا وزن لها ولا اعتداد بها ، وهي أعماله السيئة .

فأولئك الذين خسروا أنفسهم ، بسبب ما اقترفوا من سيئات أدت بهم إلى سوء العقاب ، فلم يعاملوا آيات الله بما تستحق من تعظيم ، فكذبوا بها وظلموا الفطرة التي فطر الله الناس عليها .

وقد اختلف العلماء في كيفية الوزن :

فقال بعضهم : إن التي توزن هي صحائف الأعمال ، التي كتبت فيها الحسنات والسيئات ؛ تأكيدا للحجة ، وإظهارا للنصفة وقطعا للمعذرة .

وقيل : إن الوزن هنا كناية عن القضاء السوي ، والعدل التام في تقدير ما يمكن به الجزاء من الأعمال ، وذكر الوزن إنما هو ضرب مثل كما تقول هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه ، أي : يعادله ويساويه وإن لم يكن هناك وزن .

من كلام المفسرين :

جاء في تفسير أبي السعود ما يأتي : -

( والجمهور على أن صحائف الأعمال هي التي توزن بميزان له لسان وكفتان ينظر إليه الخلائق ؛ إظهارا للمعادلة وقطعا للمعذرة ، كما يسألهم عن أعمالهم ، فتعترف بها ألسنتهم وجوارحهم ، ويشهد عليهم الأنبياء والملائكة والأشهاد ، وكما يثبت في صحائفهم ، فيقرءونها في موقف الحساب ، ويؤيده ما روى أن الرجل يؤتى به إلى الميزان فينشر له تسعة وتسعون سجلا مد البصر ، فيخرج له بطاقة فيها كلمتا الشهادة ، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فتطيش السجلات وتثقل البطاقة .

وقيل : يوزن الأشخاص ؛ لما روى عنه عليه الصلاة والسلام : ( إنه ليأتي العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة ) ( 28 ) .

وقيل : الوزن عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل ، وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك ، واختاره كثير من المتأخرين : بناء على استعمال لفظ الوزن في هذا المعنى شائع في اللغة والعرف بطريق الكناية .

وروى عن ابن عباس أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صور حسنة ، وبالأعمال السيئة على صور قبيحة .

وجاء في حاشية الجمل على الجلالين ما يأتي :

فإن قلت : أليس الله تعالى يعلم مقادير أعمال العباد فما الحكمة في وزنها ؟

قلت : فيه حكم : منها : إظهار العدل ، وأن الله تعالى لا يظلم عباده ، ومنها : امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا وإقامة الحجة عليهم في العقبى ، ومنها : تعريف العباد بما لهم من خير أو شر ، وحسنة أو سيئة ، ومنها : إظهار علامة السعادة والشقاوة ، ونظيره أن الله سبحانه أثبت أعمال العباد في اللوح المحفوظ ، وفي صحائف الحفظة الموكلين ببني آدم ، من غير جواز النسيان عليه . ا ه .

والذي علينا هو الإيمان بأن في الآخرة وزنا للأعمال ، وأنه على مقدار ما يظهر يكون الجزاء ، وأنه وزن أو ميزان يليق بما يجري في ذلك اليوم ، أما كيفية هذا الوزن وهل هو وزن للأعمال ، أو للأشخاص فمرده إلى الله ، الذي يعلم النوايا ومقدار الإخلاص والتجرد وهو نعم الحسيب المكافئ القائل في كتابه :

إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما . ( النساء : 40 ) .

وهو سبحانه القائل : وكفى بالله حسيبا . ( النساء : 6 ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ} (9)

وقوله تعالى : { بِمَا كَانُواْ بآياتنا يَظْلِمُونَ } متعلق بخسروا ، وما مصدرية و { بئاياتنا } متعلق بيظلمون ؛ وقدم عليه للفاصلة ، وعدى الظلم بالباء لتضمنه معنى التكذيب أو الجحود ، والجمع بين صيغتي الماضي والمضارع للدلالة على استمرار الظلم في الدنيا . وظاهر النظم الكريم أن الوزن ليس مختصاً بالمسلمين بل الكفار أيضاً توزن أعمالهم التي لا توقف لها على الإسلام وإلى ذلك ذهب البعض . وادعى القرطبي أن الصحيح أنه يخفف بها عذابهم وإن لم تكن راجحة كما ورد في حق أبي طالب . وذهب الكثير إلى أن الوزن مختص بالمسلمين . وأما الكفار فتحبط أعمالهم كيفما كانت ، وهو أحد الوجهين في قوله تعالى : { فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً } [ الكهف : 105 ] ولا يخفف بها عنهم من العذاب شيء ، وما ورد من التخفيف عن أبي طالب فقد قال السخاوي : إن المعتمد أنه مخصوص به ، وعلى هذا فلا بد من ارتكاب خلاف الظاهر في الآية ، وهي على كلا التقديرين ساكتة عن بيان حال من تساوت حسناته وسيئاته وهم أهل الأعراف على قول . ومن هنا استدل بها بعضهم على عدم وجود هذا القسم ، ورد بأنه قد يدرج في القسم الأول لقوله سبحانه : { خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا وَءاخَرَ * شَيْئاً *عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } [ التوبة : 102 ] وعسى من الله تعالى تحقيق كما صرحوا به وفيه نظر .