تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ} (96)

{ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون( 96 ) أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون( 97 ) أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ( 98 )أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ( 99 ) أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ( 100 ) }

المفردات :

لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض : أي : ليسرنا لهم الخير من كل جانب .

التفسير :

{ 96 – ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض . . . . } الآية .

بعد أن بين القرآن عاقبة المكذبين ، جاءت هذه الآية وما تلاها ؛ تعقيبا على إهلاك الكافرين .

أي : ولو أن كفار مكة ، والذين أهلكوا قبلهم بسبب تكذيبهم آمنوا بالله ، واتقوا . المعاصي وابتعدوا عنها .

{ لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } .

أي : لأتيناهم بالخير من كل وجه ، ويسرنا لهم سبل الأرزاق ، ووسعنا عليهم من كل باب فأنزلنا عليهم من السماء ماء مباركا ، فأنبت الزرع وأدر الضرع ، وأخرجنا لهم الكثير من كنوز الأرض ، وذللنا لهم ما على ظهرها من الدواب والأنعام .

ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون .

أي : ولكنهم لم يؤمنوا ولم يتقوا بل كذبوا الرسل الذين جاءوا لهدايتهم فكانت نتيجة تكذيبهم وتماديهم في الضلال أن عاقبناهم بالعقوبة التي تناسب جرمهم واكتسابهم المعاصي ، فتلك هي سنتنا التي لا تتخلف ، نفتح للمؤمنين أبواب الخيرات ، وننتقم من المكذبين بفنون العقوبات .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ} (96)

{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى } أي القرى المهلكة المدلول عليها بقوله سبحانه : { فِى قَرْيَةٍ } [ الأعراف : 94 ] فاللام للعهد الذكرى والقرية وإن كانت مفردة لكنها في سياق النفي فتساوي الجمع ، وجوز أن تكون اللام للعهد الخارجي إشارة إلى مكة وما حولها . وتعقب ذلك بأنه غير ظاهر من السياق ، ووجه بأنه تعالى لما أخبر عن القرى الهالكة بتكذيب الرسل وأنهم لو آمنوا سلموا وغنموا انتقل إلى انذار أهل مكة وما حولها مما وقع بالأمم والقرى السابقة .

وجوز في «الكشاف » أن تكون للجنس ، والظاهر أن المراد حينئذ ما يتناول القرى المرسل إلى أهلها من المذكورة وغيرها لا ما لا يتناول قرى أرسل إليها نبي وأخذ أهلها بما أخذ وغيرها كما قيل لإباء ظاهر ما في حين الاستدراك الآتي { ءامَنُواْ } أي بما أنزل على أنبيائهم { واتقوا } أي ما حرم الله تعالى عليهم كما قال قتادة ويدخل في ذلك ما أرادوه من كلمتهم السابقة .

{ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مّنَ السماء والارض } أي ليسرنا عليهم الخير من كل جانب ، وقيل : المراد بالبركات السماوية المطر وبالبركات الأرضية النبات ، وأياً ما كان ففي فتحنا استعارة تبعية . ووجه الشبه بين لمستعار منه والمستعار له الذي أشرنا إليه سهولة التناول ، ويجوز أن يكون هناك مجاز مرسل والعلاقة اللزوم ويمكن أن يتكلف لتحصيل الاستعارة التمثيلية ، وفي الآية على ما قيل إشكال وهو أنه يفهم بحسب الظاهر منها أنه لم يفتح عليهم بركات من السماء والأرض ، وفي الأنعام { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء } [ الأنعام : 44 ] وهو يدل على أنه فتح عليهم بركات من السماء والأرض ؛ وهو معنى قوله سبحانه : { أَبْوَابَ كُلّ شَىْء } وهو يدل على أنه فتح عليهم بركات من السماء والأرض ؛ وهو معنى قوله سبحانه : { أَبْوَابَ كُلّ شَىْء } لأن المراد منها الخصب والرخاء والصحة والعافية المقابلة أخذناهم بالبأساء والضراء ، وحمل فتح البركات على إدامته أو زيادته عدول عن الظاهر وغير ملائم لتفسيرهم الفتح بتيسير الخير ولا المطر والنبات . وأجاب عنه الخيالي بأنه ينبغي أن يارد بالبركات غير الحسنة أو يراد آمنوا من أول الأمر فنجوا من البأساء والضراء كما هو الظاهر ، والمراد في سورة الأنعام بالفئج ما أريد بالحسنة ههنا فلا يتوهم الأشكال انتهى . وأنت خبير بأن أرادة آمنوا من أول الأمر إلى آخره غير ظاهرة بل الظاهر أنهم لو أنهم آمنوا بعد أن ابتلوا ليسرنا عليهم ما يسرنا مكان ما أصابهم من فنون العقوبات التي بعضها من السماء كأمطار الحجارة وبعضها من الأرض كالرجفة وبهذا ينحل الإشكال لأن آية الأنعام لا تدل على نه فتح لهم هذا الفتح كما هو ظاهر لتاليها ، وما ذكر من أن المراد بالفتح هناك ما أريد بالحسنة ههنا إن كان المراد به أن الفتح هناك واقع موقع إعطاء الحسنة بدل السيئة هنا حيث كان ذكر كل منهما بعد ذكر الأخذ بالبأساء والضراء وبعده الأخذ بغتة فربما يكون له وجه لكنه وحده لا يجدي نفعاً ، وإن كان المراد به أن مدلول ذلك العام المراد به التكثير هومدلول الحسنة فلا يخفى ما فيه فتدبر ، وقيل : المراد بالبركات السماوية والأرضية الأشياء التي تحمد عواقبها ويسعد في الدارين صاحبها وقد جاءت البركة بمعنى السعادة في كلامهم فتحمل هنا على الكامل من ذلك الجنس ولا يفتح ذلك إلا للمؤمن بخلاف نحو المطر والنبات والصحة والعافية فإنه يفتح له وللكافر أيضاً استدراجاً ومكراً ، ويتعين هذا الحمل على ما قيل إذا أريد من القرى ما يتناول قرى أرسل إليها نبي وأخذ أهلها بما أخذ وغيرها ، وقيل : البركات السماوية إجابة الدعاء والأرضية قضاء الحوائج فليفهم .

وقرأ ابن عامر { لَفَتَحْنَا } بالتشديد { ولكن كَذَّبُواْ } أي ولكن لم يؤمنوا ولم يتقوا ، وقد اكتفى بذكر الأول لاستلزامه الثاني وللإشارة إلى أنه أعظم الأمرين { فأخذناهم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من أنواع الكفر والمعاصي التي من جملتها قولهم السابق ، والظاهر أن هذا الأخذ والمتقدم في قوله سبحانه : { فأخذناهم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } [ الأعراف : 95 ] واحد وليس عبارة عن الجدب والقحط كما قيل : لأنهما قد زالا بتبديل الحسنة مكان السيئة ، وحمل أحد الأخذين على الأخذ الأخروي والآخر على الدنيوي بعيد ، ومن ذهب إلى حمل أل على الجنس على الوجه الأخير فيه يلزمه أن يحمل كذبوا فأخذناهم على وقوع التكذيب والأخذ فيما بينهم ولا يخفى بعده .