ما يتقون : ما يجب اتقاؤه والبعد عنه .
115 { وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ . . . } الآية .
تبين الآية جانبا من فضل الله ولطفه وكرمه وعدله ، وهي في نفس الوقت تفرج عن صدر المسلمين الحزن ، أو الحسرة والندم على ما وقع منهم . من استغفار منهم لمن مات من أهليهم وأصدقائهم على الشرك قبل أن يجيء النهي عن الاستغفار لهم ، فلا شيء عليهم في هذا . لقد كان من حكمة الله تعالى أن أرسل الرسل ، وأنزل الكتب لهداية الناس ، ولتلزمهم الحجة ؛ حتى لا يقولوا يوم القيامة : ما أتانا من نذير ، قال تعالى : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما } . ( النساء : 165 ) .
وفي هذه الآية بين الله سبحانه : أنه لا يأخذ المؤمنين بالعقاب ، ولا ينزلهم منازل الضالين ، إلا بعد أن يبين لهم الطريق الذي يسيرون عليه ، وما يأخذون أو يدعون من الأمور ، أما ما يقع من العباد مما لم يكن قد جاءهم أمر الله فيه ؛ فهو معفو عنه عند الله ولو كان مما نهى عنه بعد أن وقع منهم . . . 150 .
{ ومَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً } أي ما يستقيم من لطف الله تعالى وافضاله أن يصف قوماً بالضلال عن طريق الحق ويذمهم ويجري عليهم أحكامه { بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ } للإسلام { حتى يُبَيّنَ لَهُم } بالوحي صريحاً أو دلالة { مَّا يَتَّقُونَ } أي ما يجب اتقاؤه من محذورات الدين فلا ينزجروا عما نهوا عنه ، وكأنه تسلية للذين استغفروا للمشركين قبل البيان حيث أفاد أنه ليس من لطفه تعالى أن يذم المؤمنين ويؤاخذهم في الاستغفار قبل أن يبين أنه غير جائز لمن تحقق شركه لكنه سبحانه يذم ويؤاخذ من استغفر لهم بعد ذلك . والآية على ما روي عن الحسن نزلت حين مات بعض المسلمين قبل أن تنزل الفرائض فقال إخوانهم : يا رسول الله أخواننا الذين ماتوا قبل نزول الفرائض ما منزلتهم وكيف حالهم ؟ وعن مقاتل . والكلبي أن قوماً قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قبل تحريم الخمر وصرف القبلة إلى الكعبة ثم رجعوا إلى قومهم فحرمت الخمر وصرفت القبلة ولم يعلموا ذلك حتى قدموا بعد زمان إلى المدينة فعلموا ذلك فقالوا : يا رسول الله قد كنت على دين ونحن على غيره فنحن في ضلال فأنزل الله تعالى الآية ، وحمل الاضلال فيها على ما ذكرنا هو الظاهر وليس من الاعتزال في شيء كما توهم وكأنه لذلك عدل عنه الواحدي حيث زعم أن المعنى ما كان الله لوقع في قلوبهم الضلالة : واستدل بها على أن الغافل وهو من لم يسمع النص والدليل المسعي غير مكلف ، وخص ذلك المعتزلة بما لم يعلم بالعقل كالصدق في الخبر ورد الوديعة فإنه غير موقوف على التوقيف عندهم وهو تفريع على قاعدة الحسن والقبح العقليين ولأهل السنة فيها مقال { أَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } تعليل لما سبق أي إن الله تعالى عليم بجميع الأشياء التي من جملتها حاجتهم إلى البيان فيبين لهم ، وقيل : إنه استئناف لتأكيد الوعيد المفهوم مما قبله . وكذا قوله سبحانه :
هذا ومن باب الإشارة :{ وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً } أي ليصفهم بالضلال عن طريق التسليم والانقياد لأمره والرضا بحكمه { بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ } إلى التوحيد العلمي ورؤية وقوع كل شيء بقضائه وقدره { حتى يُبَيّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ } أي ما يجب عليهم اتقاؤه في كل مقام من مقامات سلوكهم وكل مرتبة من مراتب وصولهم فإذا بين لهم ذلك فإن أقدموا في بعض المقامات على ما تبين لهم وجوب اتقائه أضلهم لارتكابهم ما هو ضلال في دينهم وإلا فلا { إنَّ الله بِكُلّ شيء عَلِيمٌ } [ التوبة : 115 ] فيعلم دقائق ذنوبهم وإن لم يتفطن لها أحد .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.