{ ولا تنكحوا ما نكح آ باؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ، حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعمتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم التي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربابيكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما } .
{ ولا تنكحوا ما نكح آ باؤكم من النساء إلا قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا } .
روى ابن أبي حاتم عن عدى بن ثابت عن رجل من الأنصار قال : لما توفى زيد أبو قيس يعني ابن الأسلت - وكان من صالحي الأنصار ، خطب ابنه قيس امرأته فقالت : إنما أعدك ولدا وأنت من صالحي قومك ولكني أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن أبا قيس توفي فقال : " خيرا " ثم قالت : إن ابنه قيسا خطبني وهو من صالحي قومه ، وإنما كنت أعده ولدا فما ترى ؟ فقال لها : " ارجعي بيتك فأنزل الله تعالى قوله72 . { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } .
وذكر الواحدي وغيره أنها نزلت في الأسود بن خلف كما ذكورا انها نزلت في صفوان بن أمية وامرأة أبيه فاختة بنت الأسود .
ويجمع بين هذه الروايات بتعدد الأسباب والمنزل واحد . قال القرطبي كان في العرب قبائل قد اعتادت أن يخلف ابن الرجل على امرأة أبيه وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة وكانت في قريش مباحة مع التراضي . . إلخ .
قال ابن عباس : كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين وهكذا قال عطاء وقتادة73 .
لا تتزوجوا من تزوج آباؤكم من النساء لانه من أفعال الجاهلية القبيحة لكن ما قد مضى وسبق من هذا الزواج فإنه معفو عنه فمن كان متزوجا من امرأة كانت زوجة لأبيه من النسب أو من الرضاع فإنها تصير حراما عليه من وقت نزول هذه الآية ويجب عليه أن يفارقها فإنها أصبحت محرمة عليه .
إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا .
الفاحشة أقبح المعاصي ، والمقت أشد البغض وكانوا يسمونه نكاح المقت لأنه أمر ممقوت بغيض .
وساء سبيلا . أي وبئس طريقا لمن سلكه من الناس فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه فيقتل ويصير ماله فيئا لبيت المال .
والحكمة من تحريم نكاح زوجة الأب ما يأتي :
1- أن امرأة الأب من منزلة الأم .
2- إلا يخلف الابن أباه فيصبح أبوه في خياله ندا له ، وكثيرا ما يكره الزوج زوج امرأته الأول فطرة وطبعا .
3- ألا تكون هناك شبهة الإرث لزوجة الأب .
لهذا حرم الله نكاح زوجة الأب .
لهذا حرم الله نكاح زوجة الأب أشد التحريم ، وشنع على فعله وجعله كالزنا أو أشد .
قال تعالى : { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا . ( الإسراء 32 ) . وزاد هنا كلمة ومقتا . أي غضبا من الله على فاعله فقال سبحانه : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا .
قوله تعالى : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ) . في هذه الآية نهي عن فعلة جاهلية نكراء وهي أن ينكح الرجل منكوحة أبيه . فقد حرم الله زوجات الآباء تكرمة لهم واحتراما وإكراما أن يوطأن من بعدهم . حتى إن هذا التحريم يصبح ساريا بمجرد العقد ولو لم يقع جماع .
أما قوله : ( ما نكح ) فقد قيل في إعراب ( ما ) بأنها مصدرية فيكون النهي واقعا على نكاح الآباء ؛ لأنه فاسد ومخالف للدين ، وبذلك يكون التقدير : لا تنكحوا مثل نكاح آبائكم الفاسد . وقيل في إعراب ( ما ) بأنها في موضع " من " وهي اسم موصول بمعنى الذي . أي لا تنكحوا النساء اللواتي نكحهن آباؤكم . وهو الأرجح لأنه الذي عليه الصحابة ومنه استدلوا على منع نكاح حلائل الآباء . وهي عادة كانت متفشية ومباحة في الجاهلية حتى نزول هذه الآية فباتت هذه العادة حراما مستبشعا .
وقوله : ( إلا ما قد سلف ) جاء في تأويل قوله : ( إلا ) عدة وجوه ، منها : أن قوله : ( إلا ما قد سلف ) أي قبل نزول آية التحريم فإنه معفو عنه .
ومنها : أن هذا استثناء منقطع ؛ لأنه لا يجوز استثناء الماضي من المستقبل . والمعنى : لكن ما قد سلف فإن الله قد تجاوز عنه .
ومنها : أن ( إلا ) هنا بمعنى بعد . أي بعد ما سلف .
ولقد شددت الآية في النكير على نكاح الأبناء لزوجات قد نكحهن آباؤهم بأن ذلك أمر منهي عنه بشدة وذلك بالنظر لفحشه وكونه مقتا ، أي بغضا بمعنى أنه يبعث على بغض الله وغضبه وهو كذلك سبيل سيئة تفضي إلى وخيم العواقب . وقيل إن النهي هنا متعلق بنكاح الزوجات اللاتي نكحهن الآباء نكاحا مشروعا عن طريق العقد . أما إن كان الآباء قد وطئوهن بغير عقود مشروعة فذلك زنا لا تحرم به النساء الموطوءات على الأبناء في قول الشافعي ومالك وكثير من المفسرين ؛ لأن النكاح عندهم عبارة عن العقد الصحيح ، خلافا لأبي حنيفة فإنه يحرم عنده أن يتزوج الرجل بمزنية أبيه ؛ لأن النكاح عنده عبارة عن الوطء{[718]} .
وتثبت المصاهرة والتحريم بغير الوطء من دواعيه كاللمس بشهوة ونحوه ، فذلك بمنزلة الجماع . وهو قول الحنفية والمالكية أيضا والشافعية في رواية عنهم . وذهب الحنابلة وأهل الظاهر ، والشافعية في الراجح من مذهبهم إلى أن المصاهرة لا تثبت بغير الوطء . فلا تثبت بدواعيه كاللمس ونحوه . {[719]}
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.