ثم استوى على العرش : العرش : الجسم المحيط بسائر الأجسام ولا يحيط بكنهه إنسان .
والاستواء على العرش صفة لله بلا كيف ، أي : أن له تعالى استواء على العرش على الوجه الذي عناه ، منزها عن الاستقرار والتمكن ، وهو استواء بالمعنى اللائق به سبحانه .
يغشى الليل النهار : يغطى النهار بالليل ، فيذهب ضوءه .
يطلبه حثيثا : يطلب الليل النهار طلبا سريعا .
له الخلق : إيجاد جميع الأشياء من العدم .
الأمر : التدبير والتصرف فيها كما يشاء .
تبارك الله : تنزه أو تعظم أو كثر خيره .
إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش . . . الآية .
خلق السموات والأرض في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا ، والله قادر على أن يقول للشيء كن فيكون ، لكنه أراد أن يشعر الناس بأن للكون نظاما وللخلق إحكاما وترتيبا ، فالجنين يمكث في بطن أمه تسعة أشهر ، حتى يتم تخليقه وتكوينه ، نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ، ثم يكسى العظام لحما ، ثم يتم تكوينه خلقا آخر ؛ فتبارك الله أحسن الخالقين .
وفي القرآن الكريم : لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون . ( غافر : 57 ) .
أي : استولى على نظام الملك وسير أموره ، وهي كناية عن قدرته سبحانه على تسيير خلق هذا الكون وإبداع صنعته ، وإحكام نظامه ، وتدبير أموره .
المفسرون القدامى لاحظوا أن هناك آيات تشير إلى أن خلق السماء كان قبل خلق الأرض ، وهناك آيات تشير إلى أن خلق الأرض كان قبل خلق السماء .
وقد جمع العلماء بينهما أن الله خلق الأرض أولا ، ثم خلق السماء ثانيا ، ثم أتم إعمار الأرض وجعلها مدحوة ، منبعجة عند خط الاستواء ومفرطحة عند القطبين .
قال تعالى : أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها ماءها ومرعاها * والجبال أرساها * متاعا لكم ولأنعامكم . ( النازعات : 27- 33 ) .
وهذه الآيات تفيد أن الأرض خلقت بعد السماء بيد أن علماء اللغة يقولون : إن كلمة بعد ذلك تحتمل معنى : فوق ذلك أو علاوة على ذلك ، أو قبل ذلك .
تقول لابنك : ربيتك وعلمتك وزوجتك ، وأنا بعد ذلك أبوك الذي رعاك صغيرا وناشئا . بمعنى : أنا فوق ذلك أو قبل ذلك .
وقال تعالى : قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين * ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم .
وفي كتب التفسير : ما يفيد أن الله تعالى خلق الأرض في مقدار يومين ، وخلق الجبال والبحار والأنهار ووسائل الإعمار في يومين ، فصار المجموع أربعة أيام .
تقول : سرت من البصرة إلى الكوفة في يومين ، ومن الكوفة إلى بغداد في أربعة أيام ، وتكون أنت قد سرت من الكوفة إلى بغداد في يومين ، ونقصد أن مجموع أيام السفر إلى بغداد أربعة أيام .
وتفيد الآيات في سورة فصلت أن الله بعد أن خلق الأرض ، خلق الجبال والبحار والأنهار ، ثم خلق السماء في يومين ، لكن الآيات تشعر أن السماء والأرض قالتا : أتينا طائعين ، مما يفيد أن هناك مراحل متعددة مر بها نشوء الكون حتى انتهى إلى الخلق البديع الكمال .
والعلماء المحدثون يذكرون النقاط الخمس الآية :
خلق الكون ابتداء من كومة أولية فريدة كانت تشكل كتلة متماسكة ، انفصلت أجزاؤها بعد ذلك .
تعدد السماوات وتعدد الكواكب التي تشبه الأرض .
وجود خلق وسيط بين السموات والأرض .
إن المطابقة واضحة بين مفهوم السديم الأولى في العلم الحديث والدخان على حسب القرآن ؛ للدلالة على الحالة الغازية للمادة التي كونت الكون في هذه المرحلة الأولى .
فالعلماء المحدثون يرون أن الكون كله كان كرة ملتهبة ، وبمرور الزمن انفصلت منها الأرض ، والسماء والفضاء والهواء .
وكانت الأرض صماء لا تنبت والسماء كانت رتقاء ليس بها أسباب المطر ، والرتق ضد الفتق .
قال تعالى : أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون . ( الأنبياء : 30 ) .
وقد جاء في تفسير المنار 12 ص 16 :
والمعنى : ألم يعلموا أن السماوات والأرض كانتا مادة واحدة متصلة لا فتق ولا انفصال ، وهو ما يسمى في عرف علماء الفلك : بالسديم وبلغة القرآن بالدخان .
ففتقناهما . بفصل بعضها عن بعض ، فكان منها ما هو سماء ومنها ما هو أرض ) .
وجاء في تفسير : فتح القدير للشوكاني :
إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام .
قيل : هذه الأيام من أيام الدنيا ، وقيل : من أيام الآخرة ، وقيل : هذه الأيام أولها الأحد وآخرها الجمعة ، وهو سبحانه قادر على خلقها في لحظة واحدة ، يقول لها : كوني ؛ فتكون ، ولكن لكل شيء عنده أجل .
( ليس ببعيد أن يكون لهذا الوجود فلك يدور فيه ، وأن يكون لهذا الفلك مركز ، وأن يكون العرش هو مركز هذا الوجود ، وهي جميعها من خلق الله وفي يد القدرة ( 55 ) .
وقد ذكر العرش في إحدى وعشرين آية في القرآن الكريم وذكر الاستواء في سبع آيات . مثل قوله تعالى : الرحمن على العرش استوى . ( طه : 5 ) .
وقوله تعالى : الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون . ( الرعد : 2 ) .
أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة إلى أنه صفة لله تعالى ، بلا كيف ولا انحصار ، ولا تشبيه ولا تمثيل ؛ لاستحالة اتصافه سبحانه المحدثين ، ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به . ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . ( الشورى : 11 ) .
وأنه يجب الإيمان بهذه الآيات كما وردت ، وتفويض العلم بحقيقتها إليه تعالى .
قال محمد بن الحسن : اتفق الفقهاء جميعا على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه .
وقال الإمام الرازي : إن هذا المذهب هو الذي نقول به ونختاره ونعتمد عليه .
وذهب بعض علماء الخلف إلى وجوب صرفه عن ظاهره – أي : الاستواء على العرش ، ( أو الجلوس على كرسي الملك ) لاستحالته ، فالله خالق العرش ومدبره والعرش محتاج إليه .
قال الإمام القفال : المراد أنه استقام ملكه ، وأطرد أمره ، ونفذ حكمه تعالى في مخلوقاته ، والله تعالى دل على ذاته وصفاته وكيفية تدبيره للعالم على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم ، واستقر في قلوبهم ، وتنبيها على عظمته وكمال قدرته ، وذلك مشروط بنفي التشبيه ويشهد بذلك ثم استوى على العرش يدبر الأمر .
ويكون المعنى : استولى على نظام الكون ودبر شئون الملك .
الاستواء : هو العلو والاستقرار ، والله أعلم بكيفية ذلك ، بل على الوجه الذي يليق بجلاله تعالى .
والعرش : هو سرير الملك ، عن أم سلمة : الكيف غير معقول ، الاستواء غير مجهول ، والإقرار به إيمان ، والجحود كفر .
وعن مالك أن رجلا سأله : كيف استوى على العرش ؟ فقال : الكيف غير معقول ، والاستواء منه غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة اه .
وأريد أن أشرح هذه الجملة ، بأن الكيف غير معقول ، أي : أن يجلس الله على كرسي الملك كما يجلس البشر .
والاستواء غير مجهول ، أي : الاستيلاء والقهر .
والإيمان بأن الله استوى على العرش واجب ، والسؤال عنه بدعة ؛ لأن السلف آمنوا بدون سؤال على أنها دليل على سعة الملك وكمال القدرة وأن الله مالك الملك ومدبر شئونه .
يغشي الليل النهار ( 56 ) يطلبه حثيثا .
أي : يجعل الليل كالغشاء للنهار فيغطى بظلمته ضياءه .
يطلبه حثيثا . أي : حال كون الليل طالبا للنهار طلبا سريعا لا يفتر عنه بحال .
وقد قال تعالى في آية أخرى : يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل . ( الزمر : 5 ) .
أي : كل من الليل والنهار يطلب الآخر طلبا سريعا .
( وهكذا النهار والليل في دورة الفلك ، حيث تدور الأرض حول نفسها ، تحت سلطان الشمس مرة كل يوم من الغرب إلى الشرق . . وفي تلك الدورة اليومية يتناسخ كل من الليل والنهار ، أي : ينسخ كل منها الآخر ، وذلك بتحريك الأرض شيئا فشيئا ، بحيث يكون دائما نصفها المقابل للشمس نهارا ، والنصف الآخر ليلا ، ففي كل لحظة ، ضوء ينسخ ظلاما ، ويلبسه ويغشيه . . فالظلام الذي يخيم على الأرض شيء أصيل ، والضوء الذي يلبسها كائن جديد داخل عليها ، الظلام منسوخ ، والضوء ناسخ له ( 57 ) ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : وجعلنا الليل والنهار ءايتين فمحونا ءاية الليل وجعلنا ءاية النهار مبصرة . ( الإسراء : 12 ) .
والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره .
قرأ الجمهور بنصب الشمس والقمر والنجوم على أنها معطوف على خلق السماوات والأرض . في أول الآية .
أي : وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ، أي : وهي كائنات مسخرات بأمره لا سلطان لأحد من الناس عليها ولا سلطان لها على نفسها ولا فضل لها من ذاتها ومن هنا لا تصح عبادتها ، ولا ينبغي أن يتعلق مخلوق بمخلوق مثله وينشد الرزق منه .
ومسخرات . منصوبة على أنها حال من الشمس والقمر والنجوم . وقرأ أبو عامر بالرفع في جميعها على الابتداء والخبر مسخرات .
ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين .
الخلق : إيجاد الشيء من العدم .
والأمر : التدبير والتصرف والتسخير على حسب الإرادة ، فالمخلوقات كلها جميعا صنعة الخالق ، وحركاتها وسكناتها كلها بتقدير الله وبأمره .
تبارك الله رب العالمين . كثر خيره وإحسانه وتعاظمت وتزايدت بركات الله رب العالمين .
قوله تعالى : { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } ذلك إخبار من الله عز وجل عن غيبه المستور وعلمه الخفي المكنون الذي لا يحيط به إلا هو ، بما يدل على عظيم صنعه وبالغ قدرته وإرادته وحقيقة وجوده التي حفل بها الوجود كله والتي تشهد لها كل الحقائق والخلائق والدقائق كافة . إن ذلك كله يشهد بما يشهد الحس شدها ويقرع الجنان والعقل قرعا ، على أن الله لهو ذو الجلال والإكرام وأنه الخالق الموجد المبدع . ومن جملة خلقه ، خلق السموات والأرض بكل ما فيهما وما بينهما من عجائب كبريات وغرائب بواهر ، وذلك في ستة أيام . ولا نقف على حقيقة المراد بالأيام هذه إلا ما أوفقنا عليه ظاهر النص من غير تكلف في ذلك ولا تمحل أو إقحام للعقل فيما لا يطيق أو يحتمل ؛ فقد قيل : ستة أيام كأيام الدنيا . وقيل : ستة أيام كأيام الآخرة . والله أعلم بما يريد . مع أن الله قادر أن يخلقهما في طرفة عين أو دون ذلك إن شاء ، لكنه يفعل ما يشاء ؛ فالسموات والأرض من خلقه ، والأيام من صنعه وتقديره ، وله أن يقرر ما يريد دون معقب من أحد أو نديد . وفي هذا الصديد يقول سعيد بن جبير : كان الله عز وجل قادرا على خلق السموات والأرض في لمحة ولحظة ، فخلقهن في سنة أيام تعليما لخلقه التثبت والتأني في الأمور . وفي الحديث مما رواه أبو يعلي وغيره عن أنس : ( التأني من الرحمة ، والعجلة من الشيطان ) .
قوله : { ثم استوى على العرش } { استوى } في اللغة بمعنى استقر . استوى على دابته إذا استقر على ظهرها . واستوى إلى السماء ؛ أي قصدها ، واستوى بمعنى استولى وظهر . وهو من تأويل المعتزلة . واستوى الشيء ؛ أي اعتدل . والاسم السواء{[1423]} .
على أن الاستواء على العرش صفة للرحمن بغير كيفية يقف على حقيقتها الإنسان ، بل يجب عليه الإيمان باستواء الله على العرش ، وأن يكل العلم في ذلك إلى الله عز وجل . وقد سأل رجل الإمام مالك بن أنس عن قوله : { الرحمان على العرش استوى } : كيف استوى ؟ فاطرق رأسه مليا وعلته الرحضاء{[1424]} . ثم قال : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وما أظنك إلا ضالا ، ثم أمر به فأخرج .
والعرش ، في اللغة ، بمعنى سرير الملك ، ويطلق أيضا على الملك والعز والسلطان . وعرش البيت سقفه . وقيل : العرش معناه البناء العالي{[1425]} والمراد بالعرش في هذه الآية وغيرها من الآيات ، في ضوء ما تكشف عنه الأحاديث الصحيحة : أنه الخلق العظيم الهائل الذي يحيط بالسموات والأرض ؛ فهو أكبر منهما وأوسع ، لاشتماله عليهما وإحاطته بهما{[1426]} .
قوله : { يغشي الليل النهار } الجملة الفعلية في محل نصب حال . والتقدير : استوى على العرش مغشيا الليل النهار . ويغشي معناه يغطي ، من الغشاء والغشاوة ؛ أي الغطاء ؛ أي يجعل الليل والنهار غشاء فيجلله بظلامه . أو يغطي ضياءه بسواده الشديد .
قوله : { يطلبه حثيثا } الجملة الفعلية في محل نصب من الليل . صفة لمصدر محذوف تقديره طلبا حثيثا . والحثيث معناه المسرع{[1427]} ؛ أي أن الليل يطلب النهار طلبا سريعا لا يعرف الفتور . وذكر الطلب هنا على سبيل المجار . وذلك أن أحدهما يعقب الآخر ويخلفه فكأنما يطلبه طلبا سريعا دائما لا انقطاع فيه ولا اضطراب ولا فتور . وهو من استمرار طلبه للنهار لا يدركه بل هو في أثره طوال الزمان حتى ينقطع الزمان إذ تنكدر النجوم انكدارا وتنثر الكواكب انتثارا . وهذا إيذان داو ومزلزل بقيام الساعة ، بعد أن يتبدد نظام الكون في هذه الدنيا وينفرط عقد الكائنات وما حوته الطبيعة من قوانين مقدورة .
قوله : { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } الأسماء الثلاثة الأولى معطوفة على السموات . ومسخرات ، منصوب على الحال ؛ أي أن الله خلق السموات والأرض وخلق الشمس والنجوم مذللات بأمره أي بإرادته وقدرته وبمقتضى حكمته وتدبيره ؛ فهن مأمورات لله الذي فطرهن .
قوله : { ألا له الخلق والأمر } الخلق : الإيجاد والاختراع مثلما قدر وأورد . والأمر : أي يأمر في خلقه بما يشاء ، وليس له في ذلك شريك .
قوله : { تبارك الله رب العالمين } تبارك من البركة ، وهي في اللغة بمعنى النماء والزيادة . والتبريك : الدعاء والبركة . وتبرك به ، أي تيمن به{[1428]} و { تبارك الله } أي علا وعظم أو تعالى وتعظم . وقيل : تبارك وتقدس ، والقدس بمعنى الطهارة . وقيل : كثرت بركته واتسعت لتصيب الحياة والأحياء جميعا{[1429]} ورب العالمين ، أي مالك كل شيء في الوجود . إذ ما من شيء في السموات والأرض أو بينهما أو خارج حدودهما مما هو أوسع منهما إلا هو مملوك له ؛ لأنه سبحانه له ملكوت كل شيء .