تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (190)

{ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ، الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار } .

التفسير :

190- { إن في خلق السموات والأرض } .

ذكر الله سبحانه هنا آيتين فقط هما خلق السموات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، لان المقصود بإثارة الانتباه ولفت القلوب والأفئدة إلى بديع صنع الله .

( والقرآن يوجه القلوب والأنظار مكررا إلى هذا الكتاب المفتوح ، الذي لا تفتأ صفحاته تقلب فتتبدى في كل صفحة منه آية موحية تستجيش في الفطرة السليمة إحساسا بالحق المستقر في صفحات هذا الكتاب وفي ( تصميم ) هذا البناء ، ورغبة في الاستجابة لخالق هذا الخلق ، ومودعه هذا الحق ، مع الحب له والخشية منه في ذات الأوان ( وألوا الألباب ) : أولوا الإدراك الصحيح يفتحون بصائرهم لاستقبال آيات الله الكونية ، لا يقيمون الحواجز ولا يغلقون المنافذ بينهم وبين الآيات ويتوجهون إلى الله بقلوبهم قياما وقعودا وعلى جنوبهم ، فتتفتح بصائرهم ، وتشف مداركهم ، تتصل بحقيقة الكون التي أودعها الله إياه وتدرك غاية وجوده وعلة نشأته ، وقوام فطرته ، وبالإلهام الذي يصل بين القلب البشرى نواميس هذا الوجود . . ( ومشهد السموات والأرض ، ومشهد اختلاف الليل والنهار ، لو فتحنا له بصائرنا وقلوبنا وإدراكنا لو تلقيناه كمشهد جديد تنفتح عليه العيون أول مرة ، لو استنقذنا أنفسنا من همود الإلف وخمود التكرار ، لاهتزت له مشاعرنا ولأحسسنا أن وراء ما فيه من تنافس لابد من يد تنسق وراء ما فيه من نظام لابد من عقل يدبر ، ووراء ما فيه من إحكام لابد من ناموس لا يتخلف . . وأن هذا كله لا يمكن ان يكون خداعا ، ولا يمكن أن يكون جزافا ، ولا يمكن أن يكون باطلا151 . ( ولا ينقص من اهتزازنا للمشهد الكوني الرائع ان نعرف ان الليل والنهار ، ظاهرتان ناشئتان من دورة الأرض حول نفسها أمام الشمس ، ولا ان تناسق السموات والأرض مرتكز إلى ( الجاذبية ) أو غير الجاذبية ، هذه فروض تصح أو لا تصح ، وهي في كلتا الحالتين لا تقدم ولا تؤخر في استقبال هذه العجينة الكونية ، واستقبال النواميس الهائلة الدقيقة التي تحكمها وتحفظها . . . وهذه أيا كان اسمها عند الباحثين من بني الإنسان هي آية القدرة وآية الحق ، في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ) . ( والسياق القرآني هنا يصور خطوات الحركة النفسية التي ينشأها استقبال مشهد السموات والأرض واختلاف الليل والنهار في مشاعر أولي الألباب تصوير إيماني ، يلفت القلوب إلى المنهج الصحيح في التعامل مع الكون ، وفي التجاوب مع فطرته وحقيقته ، والانطباع بإشاراته وإيحاءاته ، ويجعل من كتاب الكون المفتوح كتاب ( معرفة ) للإنسان المؤمن الموصول بالله وبما تبدعه يد الله )152 .

عبادة النبي صلى الله عليه وسلم :

ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ الآيات العشر من آخر سورة آل عمران إذا قام من الليل لتجهده . قال البخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنه قال : بت عند خالتي ميمونة فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ، ثم رقد ، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال : إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب . الآيات ، ثم قام فتوضأ واستن ثم صلى إحدى عشر ركعة ثم أذن بلال فصلى ركعتين ثم خرج فصلى بالناس الصبح153 .

والآيات واردة في الأذكار والدعاء ، فمن شأن المؤمنين أن يتأملوا في خلق السموات وارتفاعها واتساعها وجلالها وجمالها ، وفي خلق الأرض وانخفاضها وكثافتها واتضاعها وما فيها من بحار وجبال وقفار وأشجار ونبات وزرع وثمار وحيوان ومعادن ومنافع . واختلاف الليل والنهار . أي تعاقبهما وكون كل منهما خلفة للآخر أو في تفاوتهما بازدياد كل منهما بانتقاص الآخر ، وانتقاصه بازدياده .

لآيات لأولي الألباب . لأدلة واضحة على الصانع وعظيم قدرته وباهر حكمته .

لأولي الألباب أي لأصحاب العقول التامة ، والأفئدة المتفتحة .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (190)

قوله تعالى : { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } .

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسين الاسفرايني أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ أنا أحمد بن عبد الجبار أنا ابن فضيل عن حصين بن عبد الرحمن عن حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما " أنه رقد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه استيقظ فتسوك ثم توضأ وهو يقول : إن في خلق السماوات والأرض حتى ختم السورة ، ثم قام فصلى ركعتين فأطال فيهما القيام والركوع والسجود ، ثم انصرف فنام حتى نفخ ثم فعل ذلك ثلاث مرات ست ركعات كل ذلك يستاك ، ثم يتوضأ ثم يقرأ هؤلاء الآيات ، ثم أوتر بثلاث ركعات ثم أتاه المؤذن فخرج إلى الصلاة وهو يقول : اللهم اجعل في بصري نوراً وفي سمعي نوراً وفي لساني نوراً واجعل من خلفي نوراً وأمامي نوراً ، واجعل من فوقي نوراً ومن تحتي نوراً ، اللهم أعطني نوراً " . ورواه كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وزاد " اللهم اجعل في قلبي نوراً وفي بصري نوراً وفي سمعي نوراً وعن يميني نوراً وعن يساري نوراً " . قوله تعالى : { لآيات لأولي الألباب } . ذوي العقول . ثم وصفهم فقال : { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا بطلا سبحانك فقنا عذاب النار } .