تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} (191)

{ الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار }

المفردات :

الذين يذكرون الله قياما : في صلاتهم .

وقعودا : في تشهدهم وفي غير صلاتهم .

وعلى جنوبهم : نياما وفي حالات ابن آدم كلها .

ما خلقت هذا باطلا : عبثا ولا لعبا : إلا لأمر عظيم .

التفسير :

الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم . فهم يستغرقون في تذكر خالقهم ، ويذكرونه في جميع أحوالهم ، وإنما خص الأحوال المذكورة لأنها الأحوال المعهودة التي لا يخلو عنها الإنسان غالبا وليس ذلك لتخصيص الذكر بها154 .

وقيل المراد بالذكر هنا الصلاة ، كما ثبت في الصحيحين عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك " 155 .

ويتفكرون في خلق السموات والأرض . يتأملون في كتاب الكون وفي يد الله المبدعة وهي تحركه وتقلب صفحاته وتبدع نظامه وهو أمر لا يتيسر إلا لأصحاب الفطرة السليمة ، وفي لحظة تمثل صفاء القلب وشفافية الروح وتفتح الإدراك واستعداده للتلقي ، كما تمثل الاستجابة والتأثير والانطباع . . . إنها لحظة العبادة وهي بهذا الوصف لحظة اتصال ولحظة استقبال .

فلا عجب ان يكون الاستعداد فيها لإدراك الآيات الكونية أكبر ، وان يكون مجرد التفكير في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ، ملهما للحقيقة الكامنة فيها ؟ ، ولإدراك انها لم تخلق عبثا ولا باطلا .

وقد ذم الله الغافلين ومدح أهل الفكر والعبادة بالقلب والتأمل القائلين : ربنا ما خلقت هذا باطلا . أي ما خلقت هذا الخلق عبثا بل بالحق لتجزي الذين أساءوا بما عملوا وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى قال تعالى : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ، فتعالى الله والملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ( المؤمنون 115-116 ) .

سبحانك . تنزهت عن ان تخلق هذا الكون باطلا .

سبحانك . تنزهت عن العبث وان تخلق شيئا بغير حكمة .

فقنا عذاب النار . إن قلوبهم المتدبرة المستبصرة انطلقت مع ألسنتهم بذلك الدعاء الطويل ، الخاشع الواجف الراجف المنيب ، ذي النغم العذب والإيقاع المنساب ، والحرارة البادية في المقاطع والأنغام .

وقد رأيت أدبهم في الدعاء فقد بدأوا بتسبيح الله وتنزيهه ثم عقبوا بالدعاء وفي الحديث الصحيح : إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه سبحانه ، والثناء عليه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يدعو بعد بما شاء رواه أبو داود156 .

واعلم انه لما حكى تعالى عن هؤلاء العباد المخلصين أن ألسنتهم مستغرقة بذكر الله تعالى ، وأبدانهم في طاعة الله وقلوبهم في التفكر في دلائل عظمة الله ذكر انهم مع هذه الطاعات يطلبون من الله الوقاية من عذاب النار ، ويسألونه المغفرة لذنوبهم ، والنجاة يوم القيامة .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} (191)

قوله تعالى : { الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم } . قال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم والنخعي وقتادة : هذا في الصلاة يصلي قائماً فإن لم يستطع فقاعداً فإن لم يستطع فعلى جنب .

أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي ، أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي ، أنا هناد ، أنا وكيع عن إبراهيم بن طهمان عن حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة المريض ، فقال : " صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً ، فإن لم تستطع فعلى جنب " . وقال سائر المفسرين : أراد به المداومة على الذكر في عموم الأحوال لأن الإنسان قلما يخلو من إحدى هذه الحالات الثلاث ، نظيره في سورة النساء ( فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم ) .

قوله تعالى : { ويتفكرون في خلق السماوات والأرض } . وما أبدع فيهما ليدلهم ذلك على قدرة الله ويعرفوا أن لها صانعاً قادراً مدبراً حكيماً ، قال ابن عنوان : الفكرة تذهب الغفلة ، وتحدث للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النماء ، وما جليت القلوب بمثل الأحزان ، ولا استنارت بمثل الفكرة .

قوله تعالى : { ربنا } . أي ويقولون ربنا .

قوله تعالى : { ما خلقت هذا } . رده إلى الخلق فلذلك لم يقل هذه .

قوله تعالى : { باطلاً } . أي عبثاً وهزلاً بل خلقته لأمر عظيم ، وانتصب " باطلا " بنزع الخافض أي بالباطل .

قوله تعالى : { سبحانك فقنا عذاب النار } .