تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا} (163)

المفردات :

الأسباط : جمع سبط وهو الحفيد والمراد بهم : حفدة يعقوب- عليه السلام- أو أبناؤه الاثنا عشر وذراريهم . فإنهم حفدة إبراهيم وإسحاق .

وقيل الأسباط- كالقبائل في العرب : ولد إسماعيل . وقد بعث منهم عدة رسل . فالمراد : أوحينا إلى الأنبياء منهم ، إذ ليسوا جميعا أنبياء .

زبورا : أي : مكتوبا وهو الكتاب المنزل على داود عليه السلام . ويسمى : المزامير في العهد القديم .

التفسير :

163- إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ . . . الآية .

تمهيد :

حكى الله تعالى في الآيات السابقة جرائم اليهود ومنها : كفرهم بعيسى ومحمد وزعمهم أنهم صلبوا المسيح .

ثم ذكر هنا أن الإيمان بجميع الرسل شرط لصحة الإيمان ، وأنه سبحانه أرسل سائر الرسل مبشرين ومنذرين ، ثم دعا النصارى إلى عدم الغلو في شأن المسيح باعتقادهم فيه أنه ابن الله ، أو ثالث ثلاثة ، فليس هو ابن الله كما يزعم النصارى ، وليس ابن زنى كما يزعم اليهود ، فكلا الفريقين واقع بين الإفراط والتفريط .

وتفيد هذه الآية أن الله أرسل الرسل ، وأنزل عليهم الكتب ، وليس محمد صلى الله عليه وسلم بدعا من الرسل ، فقد أوحى الله إليه كما أوحى إلى الرسل جميعا من عهد نوح إلى عهد محمد ، وكلهم رسل أرسلوا للتبشير والإنذار ، للإعذار للناس قبل الحساب .

إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ . . .

إنا أوحينا إليك يا محمد بكلامنا وأوامرنا ونواهينا ، كما أوحينا إلى نوح وإلى سائر الأنبياء الذين جاءوا من بعده . قال الجمل : ( وإنما بدأ الله تعالى- بذكر نوح- لأنه أول نبي بعث بشريعة ، وأول نذير على الشرك ، وكان أول من عذبته أمته لردهم دعوته . . . وكان أطول الأنبياء عمرا . . . ) .

والكاف في قوله : كما نعت لمصدر محذوف و( ما ) مصدرية أي : إنا أوحينا إليك إيحاء مثل إيحائنا إلى نوح- عليه السلام- والنبيين من بعده .

أي : أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى نوح والأنبياء من بعده .

وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا . وقد خص الله هؤلاء الأنبياء بالذكر تشريفا وتعظيما لهم .

وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا . وخص داود بالذكر ونص على إعطائه الزبور للإشعار بعظمته وعظمة ما فيه لأن كل ما فيه تسبيح وتقديس وحكم ومواعظ .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{۞إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا} (163)

قوله تعالى : { إنا أوحينا إليك } . هذا بناء على ما سبق من قوله { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء } [ النساء :153 ] ، فلما ذكر الله عيوبهم وذنوبهم ، غضبوا وجحدوا كل ما أنزل الله عز وجل ، وقالوا : { ما أنزل الله على بشر من شيء } فنزل : { وما قدروا الله حق قدره } إذ قالوا : { ما أنزل الله على بشر من شيء } [ الأنعام :91 ] وأنزل .

قوله تعالى : { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } فذكر عدة من الرسل الذين أوحى إليهم ، وبدأ بذكر نوح عليه السلام لأنه كان أبا البشر مثل آدم عليه السلام ، قال الله تعالى : { وجعلنا ذريته هم الباقي } [ الصافات :77 ] ولأنه أول نبي من أنبياء الشريعة ، وأول نذير على الشرك ، وأول من عذبت أمته لردهم دعوته ، وأهلك أهل الأرض بدعائه ، وكان أطول الأنبياء عمراً ، وجعلت معجزته في نفسه ، لأنه عمر ألف سنة فلم تسقط له سن ، ولم تشب له شعرة ، ولم تنتقص له قوة ، ولم يصبر نبي على أذى قومه ما صبر هو على طول عمره .

قوله تعالى : { وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } ، وهم أولاد يعقوب .

قوله تعالى : { وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا } ، قرأ الأعمش ، وحمزة : { زبوراً } و{ الزبور } بضم الزاي ، حيث كان بمعنى : جمع زبور ، أي آتينا داوود كتباً وصحفاً مزبورةً ، أي : مكتوبة ، وقرأ الآخرون بفتح الزاي ، وهو اسم الكتاب الذي أنزل الله تعالى على داوود عليه السلام ، وكان فيه التحميد والتمجيد والثناء على الله عز وجل ، وكان داوود يبرز إلى البرية فيقوم ويقرأ الزبور ، ويقوم معه علماء بني إسرائيل ، فيقومون خلفه ، ويقوم الناس خلف العلماء ، ويقوم الجن خلف الناس ، الأعظم فالأعظم ، والشياطين خلف الجن ، وتجيء الدواب التي في الجبال فيقمن بين يديه تعجباً لما يسمعن منه ، والطير ترفرف على رؤوسهم ، فلما قارف الذنب لم ير ذلك ، ونفروا من حوله ، فقيل له : ذاك أنس الطاعة ، وهذا وحشة المعصية .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي ، أنا أبو بكر الجوزقي أنا أبو العباس الرعوف ، أنا يحيى بن زكريا ، أنا الحسن بن حماد بن سعيد الأموي ، عن طلحة بن يحيى ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه قال : قال رسول لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك ؟ لقد أعطيت مزماراً من مزامير آل داود ) ، فقال : أما والله يا رسول الله لو علمت أنك تستمع لحبرته تحبيرا .

وكان عمر رضي الله عنه إذا رآه يقول : ذكرنا يا أبا موسى ، فيقرأ عنده .