تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ} (92)

{ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ( 92 ) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ( 93 ) فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ ( 94 ) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ( 95 ) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ ( 96 ) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ ( 97 ) }

التفسير :

92 - إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ .

الأمة : القوم المجتمعون على أمر ، ثم شاع استعمالها في الدين .

تأتي هذه الآية ، في أعقاب حديث طويل عن عدد من الرسل والأنبياء ، حيث ذكر قصة إبراهيم ولوط ونوح وداود وسليمان ، وأيوب وإسماعيل وإدريس وذي الكفل ، وذي النون وزكريا ويحيى وعيسى عليهم الصلاة والسلام ، ثم عقب على ذلك بأن الأديان كلها من عند الله ، والرسل جميعا هدفهم واحد ، هو دعوة الناس إلى عبادة الله الواحد الأحد ، والعناية بمكارم الأخلاق ، والاستقامة على الصراط المستقيم ، والبعد عن الرذائل والموبقات ، فأهداف الرسالات جميعا ، تتلخص في هدفين :

1 – إصلاح العقيدة والإيمان بالله وحده لا شريك له .

2 – إصلاح السلوك بالاستقامة على الطريق السوي ، وفعل الطاعات واجتناب المحرمات ، فالأديان كلها متفقة على تحريم القتل والزنى وعقوق الوالدين والكذب ، وأكل أموال الناس بالباطل ، وعلى الأمر بصلة الرحم والتواضع والتعاون والتسامح ، والأديان كلها متفقة على عبادة الله وحده لا شريك له ، والإيمان بالكتب والرسل واليوم الآخر .

إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ .

إن هذه أمة الرسالات أمة واحدة ، تلتقي على الإيمان بالله ، والتحلي بمكارم الأخلاق ، والسير على الطريق القويم ، واجتناب الرذائل والمحرمات .

وقد روى البخاري في صحيحه : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( الأنبياء إخوة لعلات ؛ أمهاتهم شتى ودينهم واحد )30 .

وإخوة العلات هم إخوة الضرائر ، أبوهم واحد وأمهاتهم متعددة ، فالرسل جميعا ديانتهم تقوم على توحيد الله ، وقد اجتهد كل رسول في إصلاح الخلل الاجتماعي والأخلاقي ، الذي ساد في قومه ، فحارب لوط المثلية الجنسية ، وحارب شعيب تطفيف الكيل والميزان ، وحارب موسى طغيان الحاكم وتأليه الفرعون ، وحارب عيسى مادية اليهود ، وكانت رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين ، فعنيت بتوحيد الله وتعميق عقيدة التوحيد ، وعنيت بوسطية الرسالة ، فهي رسالة وسط ، تهتم بالروح والجسد ، وإصلاح الدنيا والآخرة ، وهي تؤمن بالرسل والكتب والملائكة واليوم الآخر .

وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ .

أي : اتجهوا إلى الله تعالى بالإخلاص في التقوى والعبادة ، فلا نعبد إلا الله ، ولا نستعين إلا بالله .

وفي سورة الفاتحة : إياك نعبد وإياك نستعين .

والمسلمون جميعا أمة واحدة ، دينهم واحد ، ونبيهم واحد ، وكتابهم واحد ، وقبلتهم واحدة ، وأمتهم واحدة ، يجمعهم وحدة الهدف ، ويدعوهم القرآن إلى الوحدة قال تعالى : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا . . . ( آل عمران : 103 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ} (92)

ولما دل ما مضى من قصص هؤلاء الأنبياء وغيرهم على أن لله القدرة الباهرة ، القوة البالغة الشاملة للبعث وغيره ، وكان ذلك{[51719]} دالاًّ على التوحيد الذي هو أصل الدين ، وأنهم كلهم متفقون عليه بالتصريح من البعض هنا ومن الباقين فيما سبق ، كان إثباته{[51720]} فذلكة هذه القصص وما تقدمها من هذه السورة ، فلذلك اتصل به قوله مخاطباً لمن قال لهم : أفأنتم له منكرون : { إن هذه } أي الأنبياء الذين أرسلناهم قبل نبيكم صلى الله عليه وسلم رجالاً نوحي إليهم كما أنه رجل نوحي إليه لا آباؤكم ولا ما وجدتموه عليه{[51721]} { أمتكم } أي مقصودكم{[51722]} {[51723]} أيها الخلق{[51724]} بالاقتداء في الاهتداء ، حال كونها { أمة } قال البغوي{[51725]} : وأصل الأمة الجماعة التي هي{[51726]} على مقصد واحد - انتهى . وأكد سبحانه هذا المعنى فقال : { واحدة } كما في الخبر{[51727]} أنهم{[51728]} أولاد علات . أمهاتهم شتى ودينهم واحد . لا اختلاف بينهم أصلاً في التوحيد الذي هو الأصل ولا في توجيه الرغبات إلينا ، وقصر النظر علينا ، علماً منهم بما لنا من صفات الكمال ، وأن كل شيء فإلينا مفتقر ، ولدينا خاضع منكسر ، فاتبعوهم في ذلك ، لا تحيدوا عنهم تضلوا ، وإنما فرقناهم وجعلناهم عدداً{[51729]} بحسب الأمم المتشعبة في الأزمان المتطاولة ، وأنا لم نجعل لأحد منهم الخلد ، و{[51730]} لغير ذلك من الحكم ، فبثثناهم في الأقطار ، حتى ملؤوها من الأنوار .

ولما كان المقصود تعيين المراد من غير لبس ، عدل عن صيغة العظمة فقال : { وأنا ربكم } أي لا غيري ، في كل زمان وكل مكان ، لكل أمة ، لأني لا أتغير على طول الدهر ، ولا يشغلني شأن عن شأن { فاعبدون* } دون غيري فإنه لا كفوء لي .


[51719]:بين سطري ظ: أي القدرة الباهرة.
[51720]:بين سطري ظ: التوحيد.
[51721]:زيد من مد.
[51722]:من مد وفي الأصل وظ: مقصدكم.
[51723]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[51724]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[51725]:في المعالم راجع اللباب 4 / 260.
[51726]:زيد من ظ ومد والمعالم
[51727]:راجع مسند الإمام أحمد 2 / 406.
[51728]:زيد في الأصل: كانوا، ولم تكن الزيادة في ظ ومد والمسند فحذفناها.
[51729]:زيد من ظ ومد.
[51730]:زيد من ظ ومد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ} (92)

قوله تعالى : { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ( 92 ) وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون ( 93 ) فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون ( 94 ) } الأمة ، بمعنى الملة . والإشارة في الآية إلى ملة الإسلام وهي ملة جميع النبيين والمرسلين . و ( أمة واحدة ) منصوب على الحال . و ( واحدة ) صفة لها . وقيل : ( أمة ) ، بدل من هذه .

والمعنى : أن ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا جميعا عليها دون انحراف أو زيغ عنها ، ملة واحدة غير مختلفة ؛ فهي ملة التوحيد الخالص لله بعيدا عن كل ظواهر الشرك والزيف والتكلف والتحريف .