تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ} (57)

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ 57 قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ 58 } .

التفسير :

57 { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ } .

هذا نداء من الله تعالى للناس كل الناس ، حيث أنزل الوحي ، وأرسل الرسل وبين للناس ما يشفيهم من أمراض الجاهلية ، وما يهديهم إلى طريق الصواب ، وهذا الكتاب رحمة للمؤمنين ؛ لأنهم هم الذين استفادوا بهدايته ، وعملوا بأحكامه ؛ فنالوا سعادة الدنيا والآخرة .

وقد وصف الله القرآن بأربع صفات :

1 . موعظة تعظ الناس وترشدهم ، وتشرح لهم أسباب الهداية والرشاد .

2 . شفاء حسي ومعنوي لأمراض القلوب ؛ وهي : الرياء ، والشرك ، والكبر ، وحب الدنيا ، ودليل إلى الصفاء والنقاء ومحبة الله وإيثار الآخرة ؛ وذكر بعض المفسرين : أن القرآن شفاء للأمراض الحسية ؛ بشرط الأخذ في الأسباب ، والجمع بين الطب الإكلينيكي والطب الروحي .

قال الآلوسي في تفسيره : واستدل بالآية على أن القرآن يشفي من الأمراض البدنية كما يشفي من الأمراض القلبية ، والحسن البصري ينكر كون القرآن شفاء للأمراض ؛ ويقول جعل الله القرآن شفاء لما في الصدور ولم يجعله شفاء لأمراضكم . xx

وعند التأمل نجد أنه لا مانع من دلالة الآية على أن يكون القرآن شفاء للأمراض المعنوية ، وللأمراض الحسية ؛ حيث قد ورد في السنة الصحيحة : أن القرآن شفاء للأمراض الحسية ، وأقر النبي صلى الله عليه وسلم أن الفاتحة رقية من المرض وسبيل للشفاء .

3 . القرآن هداية للناس ؛ لأنه شرح لهم أصول الدين ؛ وبين أسباب السعادة ، وأرشد دعائم الإيمان المحقق لسعادة الدنيا والآخرة .

قال تعالى : { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء } . ( فصلت : 44 ) .

4 . رحمة للمؤمنين خاصة ؛ حيث كان سبيلا إلى الإيمان والإحسان ، وتلاوة القرآن ومرضاة الرحمان .

سمع عمر بن عبد العزيز رجلا وقف للفتيا عشية عرفات ، وظل يجيب على أسئلة كل سائل من أهل الموسم حتى غربت الشمس ؛ فقال عمر به عبد العزيز : «هذي المكارم لا قعبان من لبن » . أي : هذا هو الفضل الحقيقي ، وليس هناك فضل سوى ذلك .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ} (57)

ولما ثبت أن ذلك كله حق مباين للسحر الذي مبناه على التخييل ، أقبل على الذين تقدم الإخبار عنهم في أول السورة في قوله : أكان للناس عجباً أنهم قالوا إنه سحر ، فقال : { يا أيها الناس } أي الذين قالوا : إن وعدنا والإخبار به سحر ؛ ولما كان بين{[38111]} الأرواح والأبدان حب غريزي بالتعلق ، والتذ الروح لذلك بمشتهيات هذه الحياة الدنيا بما انطبع فيه بمظاهر الحس فلم يأته نور العقل حتى تعود{[38112]} النقائص بقوة التعلق{[38113]} فحدثت له أخلاق ذميمة هي أمراض روحانية ، فأرسل ربه الذي أوجده ودبره وأحسن إليه طبيباً حاذقاً هو الرسول صلى الله عليه وسلم لعلاج هذه الأمراض .

وأنزل كتابه العزيز لوصف الأدوية ، فكان أحكم الطب منع المريض عن أسباب المرض ، قال تعالى : { قد جاءتكم موعظة } أي زاجر عظيم عن التخلي عن كل ما يشغل القلب عن الله من المحظورات وغيرها من كل ما لا ينبغي ، وذلك هو الشريعة .

ولما كان تناول المؤذي شديد الخطر ، وهو لذيذ إلى النفس بينهما من ملاءمة النقص ، وكان الانكفاف{[38114]} عنه أشق شيء عليها ، رغبها في القبول بقوله : { من ربكم } أي المحسن إليكم المدبر لمصالحكم بهذا القرآن ؛ ولما كان أليق ما يعمل بعد الحمية تعاطي الدواء المزيل للأخلاط الفاسدة من الباطن ، قال : { وشفاء } أي عظيم جداً{[38115]} { لما في الصدور } من أدواء الجهل ، وذلك الشفاء يحصل بتطهير الباطن بعد التخلي عن الأخلاق الذميمة بالتحلي بالصفات الحميدة ليصير الباطن سالماً عن العقائد الفاسدة والأخلاق الناقصة كما سلم البدن من الأفعال الدنية ، وهذا هو الطريق{[38116]} .

ولما كانت الروح إذا انصقلت مرآتها فصارت قابلة لتجلي الأنوار عليها بفيض البروق الإلهية والنفحات القدسية والمواهب الملكوتية لأنها دائمة اللمعان كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطبراني عن محمد بن مسلمة رضي الله عنه : " إن لربكم أيام دهركم نفحات ، ألا فتعرضوا له " الحديث . وليس المانع من نزولها في كل{[38117]} قلب إلا عدم القابلية من بعضها لتراكم الظلمات فيها من صداء المخالفة ورين الإعراض والغفلة ، فيكون بذلك كالمرايا الصديئة لا تقبل انطباع الصور بها ، قال تعالى : { وهدى } إلى الحق لأنه نور عظيم يقود صاحبه - ولابد - إلى الطريق الأقوم ، وهذا للصديقين وهو الحقيقة .

ولما كان هذا النور إذا زاد عظمة وانتشر إشراقه يفيض - بعد الوصول إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية - على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام العالم فينير كل قابل له مقبل عليه ، قال تعالى : { ورحمة } أي إكرام عظيم بالإمامية بالغ في الكمال والإشراق إلى حد لا مزيد عليه ، وهذا للأنبياء عليهم السلام ؛ ولما كان لا ينتفع بأنوارهم{[38118]} إلا من توجه إليهم ، ثم إن الانتفاع بهم يتفاوت بتفاوت درجات التوجه إليهم والإقبال عليهم ، قال : { للمؤمنين* } الذين اتبعوه وهم راسخون في التوجه إلى المرشدين والاستسلام لهم{[38119]} فكان ذلك سبباً لنجاتهم - أشار إلى هذا الإمام وقال : فهذه درجات عقلية{[38120]} ومراتب برهانية مدلول عليها بهذه الكلمات الأربع القرآنية على وجه لا يمكن تأخير شيء منها عن موضعه ولا تقديمه ، وهذا بخلاف ما نسبوه إليه صلى الله عليه وسلم{[38121]} من السحر فإنه داء كله وضلال يجر إلى الشقاء ، والموعظة : إبانة تدعو إلى الصلاح بطريق الرغبة والرهبة ، والوعظ ما دعا إلى الخشوع والنسك وصرف عن الفسوق والإثم ؛ والشفاء : إزالة الداء ، وداء الجهل أضر من داء البدن وعلاجه أعسر وأطباؤه أقل ، والشفاء منه أجل ؛ والصدر : موضع القلب ، وهو أجل موضع في الحي لشرف القلب ؛ والهدى : بيان عن{[38122]} معنى يؤدي إلى الحق ، وهو دلالة تؤدي إلى المعرفة ؛ والرحمة : نعمة على المحتاج .


[38111]:من ظ، وفي الأصل: من.
[38112]:تكرر ما بين الرقمين في ظ.
[38113]:تكرر ما بين الرقمين في ظ.
[38114]:في ظ: الانكشاف.
[38115]:زيد من ظ.
[38116]:من ظ، وفي الأصل: الطريقة.
[38117]:سقط من ظ.
[38118]:في ظ: من أنوارهم.
[38119]:زيد من ظ.
[38120]:من ظ، وفي الأصل: عقيلة.
[38121]:زيد من ظ.
[38122]:في ظ: على.