تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٞ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ} (22)

{ إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون } .

أي : أن الله سبحانه وتعالى ، الذي هو أهل للعبادة هو إله واحد ، لا شريك له ، ولا ند له .

{ قل هو الله أحد } .

لكن المشركين عميت قلوبهم عن هذه الحقيقة فأنكروها ، وأنكروا البعث والجزاء في الآخرة ، واستكبروا عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ؛ حقدا وحسدا ، قال تعالى : { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } . ( الأنعام : 33 ) .

لقد حجبهم الجحود والكنود والاستكبار عن الإيمان ؛ فاستحقوا الجزاء العادل ، وعذاب جهنم يوم القيامة ، حال كونهم أذلاء صاغرين ؛ جزاء استكبارهم عن اتباع الحق .

قال تعالى : { إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } . ( غافر : 60 ) .

وفي الحديث الصحيح : ( إن المتكبرين أمثال الذر يوم القيامة ، تطؤهم الناس بأقدامهم ؛ لتكبرهم )11 .

وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ) ، فقال رجل : يا رسول الله ، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ، ونعله حسنة ، فقال : ( إن الله جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق وغمص الناس )12 .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٞ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ} (22)

ولما كانت أدلة البعث قد ثبت قيامها ، واتضحت أعلامها ، وعلا منارها ، وانتشرت أنوارها ، ساق الكلام فيها مساق ما لا خلاف إلا في العلم بوقته مع الاتفاق على أصله ، لأنه من لوازم التكليف ، ولما اتضح بذلك كله عجز شركائهم ، أشار إلى أن منشأ العجز قبول التعدد ، إرشاداً إلى برهان التمانع ، فقال على طريق الاستئناف لأنه نتيجة ما مضى قطعاً : { إلهكم } أي أيها الخلق كلكم ، المعبود بحق { إله } أي متصف بالإلهية على الإطلاق بالنسبة إلى كل أحد وكل زمان وكل مكان { واحد } لا يقبل التعدد - الذي هو مثار النقص - بوجه من الوجوه ، لأن التعدد يستلزم إمكان التمانع المستلزم للعجز المستلزم للبعد عن رتبة الإلهية { فالذين } أي فتسبب عن هذا أن الذين { لا يؤمنون بالآخرة } أي دار الجزاء ومحل إظهار الحكم الذي هو ثمرة الملك والعدل الذي هو مدار العظمة { قلوبهم منكرة } أي جاهلة بأنه واحد ، لما لها من القسوة لا لاشتباه الأمر - لما تقدم في هود من أن مادة " نكر " تدور على القوة وهي تستلزم الصلابة فتأتي القسوة { وهم } أي والحال أنهم بسبب إنكار الآخرة { مستكبرون * } أي صفتهم الاستكبار عن كل ما لا يوافق أهواءهم وهو طلب الترفع بالامتناع من قبول الحق أنفة من أهله ، فصاروا بذلك إلى حد يخفى عليهم معه الشمس كما قال تعالى :

{ ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون }[ هود : 20 ] وربما دل { مستكبرون } على أن { منكرة } بمعنى " جاحدة ما هي به عارفة " .