تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ} (26)

24

ثم أبان الله تعالى وجود الشبه ، بين الكفار القدامى والجدد ، في الجرم والعقاب فقال : { قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } .

المفردات :

قد مكر الذين من قبلهم : وهو نمروذ بن كنعان ، بنى صرحا طويلا ببابل ، سمكه خمسة آلاف ذراع ؛ ليصعد منها إلى السماء ؛ ليقاتل أهلها .

والمكر : صرف غيرك عما يريده بحيلة ، ويراد به هنا : مباشرة الأسباب وترتيب المقدمات ، والمقصود بالآية : المبالغة في وصف وعيد أولئك الكفار ، وأن هلاكهم محقق كما حدث لمن قبلهم .

فأتى الله بنيانهم من القواعد : أهلكه وأفناه ، فأرسل عليه الريح والزلزلة ؛ فهدمته من الأساس ، كما يقال : أتى عليه الدهر .

القواعد : الدعائم والعمد والأساس ، واحدها : قاعدة .

خرّ : سقط .

السقف من فوقهم : أي : وهم تحته .

وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون : من جهة لا تخطر ببالهم ، أي : من جهة لا يحتسبونها ولا يتوقعونها ، وقيل : هذا تمثيل لإفساد ما أبرموه من المكر بالرسل .

التفسير :

أكثر المفسرون على : أن المراد بهذه الآية ، هو : نمروذ بن كنعان ، بنى صرحا عظيما ببابل طوله خمسة آلاف ذراع ، ويمكن أن تكون الآية عامة في كل ظالم مكابر ، مثل قوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم فرعون . . قال تعالى : { وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون } . ( الأنعام : 123 ) .

وفي الآية تشبيه هيئة القوم الذين مكروا في المنعة فأخذهم الله بسرعة ، وأزال تلك العزة ؛ بهيئة قوم أقاموا بنيانا عظيما ذا دعائم ، وآووا إليه فاستأصله الله من قواعده ، فخر سقف البناء دفعة على أصحابه فهلكوا جميعا ، فهذا من أبدع الاستعارات التمثيلية ؛ لأنها تنحل إلى عدة استعارات .

جاء في التفسير المنير :

أي : قد كاد لدين الله ورسله من تقدمهم من الأمم ، واحتالوا بمختلف الوسائل ؛ لإطفاء نور الله ؛ فأهلكهم الله تعالى في الدنيا ، بأن دمر مبانيهم من قواعدها ، وسقط عليهم السقف من فوقهم ، وأبطل كيدهم ، وأحبط أعمالهم ، وأطبق عليهم العذاب من كل جانب ، ومن حيث لا يحسون بمجيئه ولا يتوقعون ، فإن الأخذ فجأة أشد نكاية ؛ لما يصحبه من الرعب الشديد ، فاعتبروا يا أهل مكة وأمثالكم ، وهذا كله تمثيل لصورة العذاب ومضمونه : إهلاكهم من الله تعالى : 15 .

وخلاصة ذلك : أن الله أحبط أعمالهم ، وجعلها وبالا عليهم ، ونعمة منهم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ} (26)

ولما كان المراد من هذا الاستكبار محو الحق وإخفاء أمره من غير تصريح بالعناد - بل مع إقامة شبه ربما راجت - وإن اشتد ضعفها - على عقول هي أضعف منها ، وكأن هذا حقيقة المكر التي هي التغطية والستر كما بين في الرعد عند قوله تعالى : ( بل زين للذين كفروا مكرهم }[ الرعد : 23 ] شرع يهدد الماكرين ويحذرهم وقوع ما وقع بمن كانوا أكثر منهم عدداً وأقوى يداً ، ويرجي المؤمنين في نصرهم عليهم ، بما له من عظيم القوة وشديد السطوة ، فقال تعالى : { قد مكر الذين } ولما كان المقصود بالإخبار ناساً مخصوصين لم يستغرقوا زمان القبل ، أدخل الجار فقال تعالى : { من قبلهم } ممن رأوا آثارهم ودخلوا ديارهم { فأتى الله } أي بما له من مجامع العظمة { بنيانهم } أي إتيان بأس وانتقام { من القواعد } التي بنوا عليها مكرهم { فخر } أي سقط مع صوت عظيم لهدته { عليهم السقف } .

ولما كانت العرب تقول : خر علينا سقف ووقع علينا حائط - إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه كما نقله أبو حيان عن ابن الأعرابي ، قال تعالى صرفاً عن هذا إلى حقيقة السقوط المقيد بالجار : { من قولهم } وكانوا تحته فهلكوا كما هو شأن البنيان إذا زالت قواعده .

ولما كان المكر هو الضر في خفية ، لأنه القتل بالحيلة إلى جهة منكرة ، بين أن ما حصل لهم من العذاب هو من باب ما فعلوا بقوله : { وأتاهم العذاب } أي الذي اتفقت كلمة الرسل على الوعيد به لمن أبى { من حيث لا يشعرون * } لأن السبب الذي أعدوه لنصرهم كان بعينه سبب قهرهم ، وهذا على سبيل التمثيل ، وقيل : إنه على الحقيقة فيما بناه نمرود من الصرح .

ذكر قصته من التوراة :

قال في السفر الأول منها في تعداد أولاد نوح عليه السلام : وكوش - يعني ابن حام بن نوح - ولد نمرود ، وكان أول جبار في الأرض ، وهو كان مخوفاً ذا صيد بين يدي الرب ، ولذلك يقال : هذا مثل نمرود الجبار القناص ، فكان مبدأ ملكه بابل والكوش والأهواز والكوفة التي بأرض شنعار ، ومن تلك الأرض خرج الموصلي فابتنى نينوى ورحبوت القرية - وفي نسخة : قرية الرحبة - والإيلة والمدائن ؛ ثم قال بعد أن عد أحفاد نوح عليه السلام وممالكهم : هؤلاء قبائل بني نوح وأولادهم وخلوفهم وشعوبهم ، ومن هؤلاء تفرقت الشعوب في الأرض بعد الطوفان ، وإن أهل الأرض كلهم كانت لغتهم واحدة ، ومنطقهم واحداً ، فلما ظعنوا في المشرق انتهوا إلى قاع في أرض شنعار - وفي نسخة : العراق - فسكنوه ، فقال كل امرىء منهم لصاحبه : هلم بنا نلبن اللبن ونحرقه بالنار ، فيصير اللبن مثل الحجارة ويصير الجص بدل الطين للملاط ، ثم قال : هلموا ! نبن لنا قرية نتخذها ، وصرحاً مشيداً لاحقاً بالسماء ، ونخلف لنا شيئاً نذكر به ، لعلنا ألا نتفرق على الأرض كلها ، فنظر الرب القرية والصرح الذي يبنيه الناس ، فقال الرب : إني أرى هذا الشعب رأيهم واحد ولغتهم واحدة وقد هموا أن يصنعوا هذا الصنيع فهم الآن غير مقصرين فيما هموا أن يفعلوه ، فلأورد أمراً أشتت به لغتهم حتى لا يفهم المرء منهم لغة صاحبه ، ثم فرقهم الرب من هنالك على وجه الأرض كلها ، ولم يبنوا القرية التي هموا ببنائها ، ولذلك سميت بابل لأن هنالك فرق الرب لغة أهل الأرض كلها - انتهى .

قال لي بعض علماء اليهود : إن بابل معرب بوبال ، ومعنى بوبال بالعبراني الشتات - هذا ما في التوراة ، وأما المفسرون فإنهم ذكروا أن الصرح بني على هيئة طويلة في الطول والإحكام ، وأن الله تعالى هدمه ، فكانت له رجة تفرقت لعظم هولها لغة أهل الأرض إلى أنحاء كثيرة لا يحصيها إلا خالقها فالله أعلم .