تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَـٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا} (19)

{ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعْيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ( 19 ) }

التفسير :

19- { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيا وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا } .

ومن أراد الدار الآخرة وما فيها من النعيم المقيم ، وسعى لها سعيا أي : السعي اللائق بها فيؤدي تكاليفها وينهض بتبعاتها ، وفائدة اللام في قوله : لها اعتبار النية والإخلاص ، وهو مؤمن إيمانا صحيحا لا يشوبه شيء قادح فيه . وإيراد الإيمان بالجملة الحالية للدلالة على اشتراط مقارنته لإرادة الآخرة والسعي لها ، فلا تنفع إرادة ولا سعي بدونه ، وفي الحقيقة هي الناشئ عنه إرادة الآخرة ، والسعي للنجاة فيها وحصول الثواب .

والسعي للآخرة لا يحرم المرء أن يأخذ بقسط من المتاع في الحياة الدنيا ، بل الإسلام يحض المرء على هذا المتاع ويكلفه إياه تكليفا ؛ كيلا يتزهد الزهد الذي يهمل الحياة ويضعفها ، لقد خلق الله طيبات الحياة ؛ ليستمتع بها الناس ، وليعملوا في الأرض لتوفيرها وتحصيلها ، فتنمو الحياة وتتجدد وتتحقق خلافة الإنسان في هذه الأرض ، لذلك على أن تكون وجهتهم في هذا المتاع هي الآخرة فلا ينحرفون عن طريقها ولا يشغلون بالمتاع عن تكاليفها .

وإذا كان الذي يريد العاجلة ينتهي إلى جهنم مذموما مدحورا فالذي يريد الآخرة ويسعى لها سعيا وهو مؤمن ينتهي إليها مشكورا يتلقى التكريم في الملأ الأعلى جزاء السعي الكريم لهدف كريم .

وإن الحياة للأرض حياة تليق بالديدان والزواحف والحشرات والهمام والوحوش والأنعام ، فأما الحياة للآخرة فهي الحياة اللائقة بالإنسان الكريم على الله الذي خلقه فسواه وأودع روحه ذلك السر الذي ينزع به إلى السماء وإن استقرت على الأرض قدماه .

هذان اللونان من الحياة : لون الحياة الحيوانية أو الطفولة الإنسانية ، ولون الحياة المثالية ، قديمان في تاريخ الإنسانية قدم الإنسانية نفسها والخصومة بينهما قديمة منذ وجودها وتعارضها . ورسالات الأديان السماوية في غايتها وجوهرها تدفع الإنسان إلى الحياة المثالية أم حياة الرشد الإنساني على حين انقسمت فلسفة الإنسان منذ القدم أيضا إلى اتجاهين يدفع كل اتجاه منهم إلى لون من هذين اللونين ، فمدرسة الماديين تدفع إلى الفرع الحيواني ومدرسة المثاليين أو المدرسة الإنسانية تدفع إلى حياة الأهداف البعيدة وراء حفظ البقاء الفردي والنوعي .

والإسلام كصورة كاملة وواضحة للدين السماوي يخاصم الوجودية المادية خصومة عنيفة ؛ إذ ينظر للإنسان على أنه الرشيد وصاحب التأهيل للقيادة في هذه الحياة { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم } . ( الأنعام : 165 ) فليس هدفه في الحياة توفير المنافع الخاصة المتصلة بالجانب الحيواني فيه بل هدفه أبعد من ذلك كثيرا { قل إن صلاتي ونُسُكي ومحيايَ ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } . ( الأنعام : 162 ) . هدفه أن يكون مؤمنا بالله وسالكا طريق هدايته الذي خطته الرسالة السماوية .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَـٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا} (19)

ولما ذكر الجاهل ذكر العالم العامل فقال تعالى : { ومن أراد الآخرة } أي مطلق إرادة - بما أشار إليه التجريد { من كان } { وسعى } أي وضم إلى نيته العمل بأن سعى { لها سعيها } أي الذي هو لها ، وهو ما كانت جديرة به من العمل بما يرضي الله بما شرعه في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، لا أي سعي كان بما لم يشهد ظاهر الكتاب والسنة ، إعلاماً بأن النية لا تنفع إلا مع العمل ، إما بالفعل عند التمكن ، وإما بالقوة عند عدمه ؛ ثم ذكر شرط السعي الذي لا يقبل إلا به ، فقال تعالى : { وهو مؤمن } أي راسخ في هذا الوصف كما جاء عن بعض السلف : من لم يكن له ثلاث لم ينفعه عمله : إيمان ثابت ، ونية صادقة ، وعمل مصيب - وتلا هذه الآية ، وهذا الرسوخ هو الإحسان الذي يدور عليه مقصود السورة ؛ ثم رتب عليه الجزاء فقال : { فأولئك } أي العالو الرتبة لجمعهم الشرائط الثلاثة { كان } أي كوناً لا بد منه { سعيهم مشكوراً * } أي مقبولاً مثاباً عليه بالتضعيف مع أن بعضهم نفتح عليه أبواب الدنيا كداود وسليمان عليهما الصلاة والسلام ونستعمله فيها بما يحب ، وبعضهم نزويها عنه كرامة له لا هواناً ، فالحاصل أنها إن وجدت عند الولي لم تشرفه ، وإن عدمت عنه لم تحقره ، وإنما الشرف وغيره عند الله بالأعمال .