{ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قول كريما 23 }
أف : اسم صوت ينبئ عن التضجر والتألم ، يقال : لا تقل لفلان : أف ، أي : لا تتعرض له بنوع من الأذى والمكروه .
كريما : أي : جميلا لا شراسة فيه ، قال الراغب : كل شيء يشرف في جنسه يقال : إنه كريم .
تصدرت هذه الآية جملة من الوصايا والأوامر والنواهي التي تتعلق بآداب السلوك في واقع الحياة .
وهي : الأمر بعبادة الله وحده والتزام أوامره واجتناب نواهيه ومن هذه الأمور :
بر الوالدين ، وصلة الرحم ، والعطف على المسكين وابن السبيل في غير إسراف ولا تبذير ، وتحريم قتل الذرية ، وتحريم الزنا ، وتحريم القتل ، ورعاية مال اليتيم ، والوفاء بالعهد ، وتوفية الكيل والميزان ، والتثبيت في القول ، والنهي عن الخيلاء والكبر . وتنتهي الأوامر بالتحذير من الشرك ، فهذه الأوامر كلها محصورة بين الأمر بطاعة الله ، والنهي عن الإشراك به ، والتزام الفضائل التي دعا إليها ، والبعد عن الرذائل التي حذر منها ومما يساعد الإنسان على هذا السلوك المهذب عقيدته الصادقة التي تقوم على الإيمان بالله وإتباع شريعته وهديه تلك الشريعة التي يقوم عليها بناء الحياة وسعادة المجتمع .
23- { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما أن يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف {[363]} ولا تنهر هما وقل لهما قولا كريما } .
أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نفرده بالعبادة أو نخصه بالتوحيد وهذا معنى { إياك نعبد وإياك نستعين } أي : لا نعبد إلا أنت ولا نستعين إلا بك فأنت نعم المولى ونعم المعين .
ثم أمرنا الله بالإحسان إلى الوالدين وبالغ في هذه الوصية وكررها في القرآن الكريم ؛ لأن الوالدين أصل حياة الإنسان فالله هو الخالق الموجد المسبب . والوالدان هما السبب المباشر لوجود الإنسان وقد تحملا في سبيل رعايته وتربيته وتهذيبه كل صعب وذلول .
فوجب أن يكافأ الإحسان بالإحسان وأن ترد التحية بأحسن منها خصوصا عند العجز والشيخوخة فذلك هو التضامن الاجتماعي والتكافل الإسلامي الذي يحفظ للأسرة تماسكها وترابطها .
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا من كان يؤلفهم في الموطن الخشن
وقد يسأل سائل : لم تكررت وصية الله للأبناء بأن يبروا أبناءهم ؟
والجواب سهل ميسور ؛ ذلك أن الغريزة والفطرة تدفع الوالدين على رعاية الأبناء والتضحية بكل شيء في سبيلهم وكما تمتص النبتة الخضراء كل غداء في الحبة فإذا هي فتات ؛ ويمتص الفرخ كل غداء في البيضة فإذا هي قشر ، كذلك يمتص الأولاد كل رحيق وكل عافية وكل جهد وكل اهتمام من الوالدين فإذا هما شيخوخة فانية – إن أمهلهما الأجل- وهما مع ذلك سعيدان .
فأما الأولاد فسرعان ما ينسون هذا كله ، ويندفعون إلى الأمام ، إلى الزوجات والذرية . . وهكذا تندفع الحياة .
ومن ثم لا يحتاج الآباء إلى التوصية بالأبناء ، إنما يحتاج الأبناء إلى تذكيرهم بحق الجيل الذي أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف .
وهنا يجيء الأمر بالإحسان إلى الوالدين في صورة قضاء من الله يحمل معنى الأمر المؤكد ، بعبادة الله .
ثم تأخذ الآيات في تأكيد هذا المعنى وتحريك عاطفة الحنان والرحمة في صدر الأبناء نحو الآباء فتقول : { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أوكلاهما } . ( الإسراء : 23 ) والكبر له جلاله ، وضعف الكبر له إيحاؤه ، وكلمة عندك تصور معنى الالتجاء والاحتماء في حالة الكبر والضعف .
أي : إذا وصل الوالدان عندك أو أحدهما إلى حال الضعف والعجز وصارا عندك في آخر العمر كما كنت عندهما في أوله ؛ وجب عيك أن تشفق عليهما ، وأن تعاملهما معاملة الشاكر لمن أنعم عليه ويتجلى ذلك بأن تتبع معهما الأمور التالية :
( أ ) أن لا تتأفف من شيء تراه من أحدهما أو منهما حتى لو كنت تقضي لهما جميع الأمور لتي كانا يقضيانها لك وأنت صغير فاستعمل معهما وطأة الخلق ولين الجانب والاحتمال ، ولا تقل لهما إذا أضجرك ما يستقذر منهما أو يستثقل من مؤنتهما : أف ، فضلا عما يزيد عليه ، وفي الأثر : لو علم الله أدنى من أف لقالها .
( ب ) ولا تنهرهما ولا تنغّص عليهما بكلام تزجرهما به بغلظة بل استعمل الرفق واللين والأدب وتحمل منهما ؛ لأن لهما عقلية وتفكيرا وآراء تناسب ضعفهما ، قال تعالى :
{ الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير } . ( الروم : 54 ) .
وقد يكون أحدهما جائرا أو ظالما أو مخالفا لك في الرأي فحاول أن تنفذ له أمره ولو كان على خلاف رأيك ما لم يكن إثما أو ذنبا ؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية خالق .
( ج ) { وقل لهما قولا كريما } . أي : قولا حسنا رقيقا فإن الإنسان في هذه السن الكبيرة كالمريض يحتاج على البسمة الجميلة والكلمة الطيبة التي تشرح صدره وتشعره بأنه صاحب الجميل السابق والفضل المتقدم فالأب في كبره ينتظر من ابنه العرفان والثناء ، فهذا لعرفان يشيع فيه السرور والرضا ويقنعه أنه ليس عالة ولا ثقلا بل هو يسترد معروفا سابقا ويجني ثمرة غرسها بيديه الكريمتين .
أما إذا قابلته بالعقوق والجحود ؛ فإنه يأسى على ما قدم لك من رعاية حانية في عمرك الطويل كما قال الشاعر العربي يعدد نعمه على ولده وقد عقه في كبره :
غذوتك مولودا وعلتك يافعا *** تعل بما أجنى عليك وتنهل
إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت *** لسقمك إلا ساهرا أتمل
كأني أنا المطروق دونك بالذي *** طرقت به دوني فعيني تهمل
تخاف الردى نفسي عليك وإنها *** لتعلم أن الموت وقت مؤجل
فلما بلغت السن والغاية التي *** إليها مدى ما كنت فيك أؤمل
ولما قرع الأسماع بهذا النهي المحتم لتوحيده ، أتبعه الإخبار بالأمر بذلك جمعاً في ذلك بين صريحي الأمر والنهي تصريحاً بعد التنزيه له عن الشريك بالإفراد له في العبادة في أسلوب الخبر ، إعلاماً بعظم المقام فقال تعالى : { وقضى } أي نهاك عن ذلك وأمر { ربك } أي المحسن إليك أمراً حتماً مقطوعاً به ماضياً لا يحتمل النزاع ؛ ثم فسر هذا الأمر بقوله تعالى : { ألا تعبدوا } أي أنت وجميع أهل دعوتك ، وهم جميع الخلق { إلا إياه } فإن ذلك هو الإحسان .
ولما أمر بمعرفة الحق المحسن المطلق منبهاً على وجوب ذلك باسم الرب ، أتبعه الأمر بمعرفة الحق لأول المربين من الخلق فقال : { وبالوالدين } أي وأحسنوا ، أي أوقعوا الإحسان بهما { إحساناً } بالإتباع في الحق إن كانا حنيفين شاكرين لأنعمه كإبراهيم ونوح عليهما السلام فإن ذلك يزيد في حسناتهما ، وبالبراءة منهما في الباطل فإن ذلك يخفف من وزرهما واللطف بهما ما لم يجر إلى فساد ليكون الله معكم فإنه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .
ولما كان سبحانه عليماً بما في الطباع من ملال الولد لهما عند أخذهما في السن ، قال تعالى : { إما } مؤكداً بإدخال " ما " على الشرطية لزيادة التقرير للمعنى اهتماماً بشأن الأبوين { يبلغن عندك } أي بأن يضطر إليك فلا يكون لهما كافل غيرك { الكبر } ونفى كل احتمال يتعلق به المتعنت بقوله تعالى : { أحدهما أو كلاهما } فيعجزا بحيث يكونان في كفالتك { فلا تقل لهما أف } أي لا تتضجر منهما ، وفي سورة الأحقاف ما ينفع كثيراً هنا ؛ ثم صرح بما ينهى عنه الكلام من باب الأولى تعظيماً للمقام فقال : { ولا تنهرهما } فيما لا ترضاه ؛ والنهر : زجر بإغلاظ وصياح . وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي رحمه الله في كتابه في أصول الفقه : وقد أولع الأصوليون بأن يذكروا في جملة هذا الباب - أي باب الاستدلال بالملزوم على اللازم والأدنى على الأعلى - قوله تعالى : { ولا تقل لهما أف } بناء على أن التأفيف عندهم أقل شيء يعق به الأب ، وذلك حائد عن سنن البيان ووجه الحكمة ، لأنه ليس في العقوق شيء أشد من التأفيف لأنه إنما يقال للمستقذر المسترذل ، ولذلك عطف عليه { ولا تنهرهما } لأنه لا يلزم منه لزوم سواء ولا لزوم أحرى ، ولا يصلح فيما يقع أدنى أن يعطف عليه ما يلزمه سواء أو أحرى ، كما لو قال قائل : من يعمل ذرة خيراً يره ، ومن يعمل قيراطاً يره ، لم يصلح عطفه عليه لإفادة الأول إياه ، ولعل ذلك شيء وهل فيه واهل فسلك إثره من غير اعتبار لقوله - انتهى .
ولما نهاه عن عقوقهما تقديماً لما تدرأ به المفسدة ، أمره ببرهما جلباً للمصلحة ، فقال تعالى : { وقل لهما } أي بدل النهر وغيره { قولاً كريماً * } أي حسناً جميلاً يرضاه الله ورسوله مع ما يظهر فيه من اللين والرقة والشفقة وجبر الخاطر وبسط النفس ، كما يقتضيه حسن الأدب وجميل المروءة ، ومن ذلك أنك لا تدعوهما بأسمائهما ، بل بيا أبتاه ويا أمتاه - ونحو هذا