تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ} (23)

قصة نوح عليه السلام :

{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ( 23 ) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ( 24 ) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ ( 25 ) قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ( 26 ) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ( 27 ) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 28 ) وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ ( 29 ) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ( 30 ) } .

23

التفسير :

23 - وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ .

ولقد بعثنا نوحا رسولا منا إلى قومه ؛ ليدعوهم إلى توحيد الله ، ونبذ الأصنام والأوثان ؛ فقال لهم : يا قوم اعبدوا الله وحده ، فهو الإله الواحد الأحد الفرد الصمد ، وليس هناك إله إلا هو ، فهو المتفضل عليكم بالنعم جليلها وقليلها ، فاتقوا عقابه واحذروا غضبه ، فأنتم في نعمته وعافيته ؛ فاشكروه ولا تكفروا به .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ} (23)

ولما كان التقدير : فلقد حملنا نوحاً ومن أردنا ممن آمن به من أولاده وأهله وغيرهم على الفلك ، وأغرقنا من عانده من أهل الأرض قاطبة بقدرتنا ، ونصرناه عليهم بعد ضعفه عنهم بأيدينا وقوتنا ، وجعلناه وذريته هم الوارثين ، وكنتم ذرية في أصلابهم ، وكثرناهم حتى ملأنا منهم الأرض ، دلالة على ما قدمنا من تفردنا كما أجرينا عادة هذا الكتاب الكريم بذكر عظيم البطش بعد أدلة التوحيد ، وأتبعناه بعده الرسل الذين سمعتم بهم ، وعرفتم بعض أخبارهم ، يا من أنكر الآن رسالة البشر لإنكار رسالة هذا النبي الكريم ! عطف عليه يهدد بإهلاك الماضين ، للرجوع عن الكفر ، ويذكر بنعمة النجاة للإقبال على الشكر ، ويسلي هذا النبي الكريم ومن معه من المؤمنين لمن كذب قبله من النبيين وأوذي من أتباعهم ، ويدل على أنه يفضل من عباده من يشاء بالرسالة ، كما فضل طينة الإنسان على سائر الطين ، وعلى أن الفلاح بالإرث والحياة الطيبة في الدارين مخصوص بالمؤمنين كما ذكر أول السورة ، فذكر نوحاً لأن قصته أشهر القصص ، ولأن قومه كانوا ملء الأرض ، ولم تغن عنهم كثرتهم ولا نفعتهم قوتهم ، ولأنه الأب الثاني بعد الأب الأول المشار إليه بالطين ، ولأن نجاته ونجاة المؤمنين معه كانت بالفلك المختوم به الآية قبله ، فقال : { ولقد أرسلنا } إشارة بصيغة العظمة إلى زيادة التسلية بأنه " آتاه من الآيات ما مثله آمن عليه البشر " وقام هو صلى الله عليه وسلم بذلك حق القيام { نوحاً } أي وهو الأب الثاني بعد آدم عليهما السلام { إلى قومه } وهم جميع أهل الأرض لتواصل ما بينهم لكونهم على لغة واحدة { فقال } أي فتسبب عن ذلك أن قال : { يا قوم } ترفقاً بهم { اعبدوا الله } أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له ، وحده ، لأنه إلهكم وحده لاستحقاقه لجميع خلال الكمال ؛ واستأنف على سبيل التعليل قوله : { ما لكم } وأغْرق في النفي بما هو حق العبادة فقال : { من إله } أي معبود بحق { غيره } فلا تعبدوا سواه .

ولما كانت أدلة الوحدانية والعظمة بإعطاء الثواب وإحلال العقاب في غاية الظهور لا تحتاج إلى كبير تأمل ، تسبب عن ذلك إنكاره لأمنهم من مكره ، والخوف من ضره ، فقال : { أفلا تتقون* } أي تخافون ما ينبغي الخوف منه فتجعلوا لكم وقاية من عذابه فتعملوا بما تقتضيه التقوى من إفراده بالعبادة خوفاً من ضركم ورجاء لنفعكم