تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ} (21)

{ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ( 21 ) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ( 22 ) } .

21

التفسير :

21 - وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ .

العبرة هي العظة والاعتبار ، فقد سخر الله للإنسان الحيوان ، وذللَهُ له ليستفيد به ومن هذه الفوائد ما يأتي :

1 . الدم المتولد من الأغذية ، يتحول في الغدد التي في الضرع إلى شراب طيب لذيذ الطعم صالح للتغذية ، وهذا اللبن مستخلص من بين فرث ودم ، وهذا دليل القدرة واللطف الإلهي .

2 . منافع متعددة للإنسان من الحيوانات ، منها : الركوب ، والاستفادة بأشعارها وأوبارها وأصوافها ، وأكل لحومها .

وقريب من هذه الآية ما ورد في آيات أخرى عن فوائد الحيوانات ومنافعها ، مثل قوله تعالى :

وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ . ( النحل : 66 ) .

وقال تعالى : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ . ( يس : 71 – 73 ) .

وقال تعالى : وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ . ( الزخرف : 12 – 14 ) .

وقال عز شأنه : وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ . ( النحل : 5 – 7 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ} (21)

ولما دل سبحانه وتعالى على قدرته بما أحيا بالماء حياة قاصرة عن الروح ، أتبعه ما أفاض عليه به حياة كاملة فقال : { وإن لكم في الأنعام } وهي الإبل والبقر والغنم { لعبرة } تعبرون بها من ظاهر أمرها إلى باطنه مما له سبحانه فيها من القدرة التامة على البعث وغيره ؛ ثم استأنف تفصيل ما فيها من العبرة قائلاً : { نسقيكم } ولما كان الأنعام مفرداً لكونه اسم جمع ، ولم يذكر ما يسقى منه ، أنث الضمير بحسب المعنى وعلم أن المراد ما يكون منه اللبن خاصة وهو الإناث ، فهو استخدام لأنه لو أريد جميع ما يقع عليه الاسم لذكر الضمير ، فلذلك قال : { مما في بطونها } أي نجعله لكم شراباً نافعاً للبدن موافقاً للشهوة تلتذون به مع خروجه من بين الفرث والدم كما مضى في النحل { ولكم فيها } أي في جماعة الأنعام ، وقدم الجار تعظيماً لمنافعها حتى كأن غيرها عدم { منافع كثيرة } باستسلامها لما يراد منها مما لا يتيسر من أصغر منها ، وبأولادها وأصوافها وأوبارها ، وغير ذلك من آثارها .

ولما كان التقدير : تصرفونها في تلك المنافع ، عطف عليه مقدماً للجار تعظيماً لمأكولها فقال : { ومنها تأكلون* } بسهولة من غير امتناع ما عن شيء من ذلك ، ولو شاء لمنعها من ذلك وسلطها عليكم ، ولو شاء لجعل لحمها لا ينضج ، أو جعله قذراً لا يؤكل ، ولكنه بقدرته وعلمه هيأها لما ذكر وذللها له .