شركاؤهم : أي : أولياؤهم من الشياطين .
وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم . . . الآية .
أي : حسن الشياطين في أعين أهل الجاهلية قتل الأولاد ، وقيل : شركاؤهم ها هنا : هم الذين كانوا يخدمون الأوثان – من الكهنة وسدنة الأصنام – زينوا لهم دفن البنات مخافة السبى والحاجة ، وقتل الأولاد ؛ مخافة الفقر ، وكان الرجل يحلف بالله لئن ولد له كذا من الذكور لينحرن أحدهم ، كما فعله عبد المطلب حينما نذر أن يذبح آخر أبنائه ، إذا بلغ عددهم عشرة بنين .
ليردوهم : أي : ليهلكوهم ، من الردى وهو الهلاك ، يقال : ردى – كرضى – أي : هلك .
أي : ليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل عليه السلام ، أو ما وجب عليهم أن يتدينوا به .
وليلبسوا . مأخوذ من اللبس بمعنى : الخلط بين الأشياء ، التي يشبه بعضها بعض .
يقال : لبس الحق بالباطل ، ولبست عليه الأمر ، خلطته عليه ، وجعلته مشتبها حتى لا يعرف جهته .
أي : ولو شاء الله عدم فعلهم ذلك ؛ لعصمهم منه ، ولكنه خلاهم وما يفعلون ؛ لأنه علم منهم إصرارهم على ضلالتهم وكفرهم .
أي : فاتركهم وافتراءهم على الله الكذب ؛ فإن ذلك لا يضرك .
قال أبو السعود : الفاء فاء الفصيحة ؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط ، مقدر ، أي : إذا كان ما فعلوه بمشيئة الله تعالى ، فدعهم وافتراءهم ، أو ما يفترونه من الإفك ، فإن فيما شاء الله تعالى حكما بالغة ، إنما نملي لهم ؛ ليزدادوا إثما ، ولهم عذاب مهين ، وفيه من شدة الوعيد ما لا يخفى ( 7 ) .
ولما كان هذا متضمناً لأنهم نقصوا أموالهم بأنفسهم في غير طائل فجعلوها لمن لا يستحقها ، نبه تعالى على أن ذلك تزيين{[31353]} من أضلهم من الشياطين من سدنة الأصنام وغيرهم من الإنس ومن الجن المتكلمين من أجواف الأصنام وغيرهم ، فقال منبهاً على أنهم زينوا لهم ما هو أبين منه { وكذلك } أي ومثل ما زين لجميع المشركين تضييع أموالهم والكفر بربهم شركاؤهم { زين لكثير من المشركين } .
ولما كان المزين لخسته أهل لأن لا يقبل تزيينه ولا يلتفت إليه ، فكان امتثال قوله غريباً ، وكان الإقدام على فعل الأمر المزين أشد غرابة ، قدمه تنبيهاً على ذلك فقال : { قتل أولادهم } أي بالوأد خشية الإملاق والنحر لآلهتهم ، وشتان بين من يوجد لهم الولد ويرزقه والرزق ويخلقه وبين من لا يكون إلا سبباً في إعدامه ؛ ولما كان في هذا غاية الغرابة تشوفت النفس إلى فاعل التزيين فقال : { شركاؤهم } أي وهم أقل منهم بما يخاطبون به من أجواف الأصنام وبما يحسن لهم السدنة والأهوية بسبب الأصنام .
ولما كان هذا أمراً معجباً ، كان الأمر في قراءة ابن عامر المولود{[31354]} في زمان النبي صلى الله عليه وسلم المشمول{[31355]} ببركة{[31356]} ذلك العصر الآخذ عن جلة من الصحابة الموصوف{[31357]} بغزارة العلم ومتانة الدين وقوة الحفظ والضبط وحجة النقل في{[31358]} إسناد الفعل إلى الشركاء بإضافة المصدر إلى فاعله أعجب ، وفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول - وهو الأولاد - لأن وقوع القتل فيهم كما تقدم أعجب .
ولما كان ذلك ربما كان لفائدة استهين لها هذا الفعل العظيم ، ذكر أنه ليس له فائدة إلا الهلاك في الدنيا والدين الذي هو هلاك في الآخرة ليكون ذلك أعجب فقال : { ليردوهم } أي ليهلكوهم هلاكاً لا فائدة فيه{[31359]} بوجه { وليلبسوا } أي يخلطوا ويشبهوا { عليهم{[31360]} دينهم } أي وهو دين إبراهيم الذي أمره الله بذبح ولده إسماعيل عليهما السلام فما أقدم عليه إلاّ بأمر الله ثم إنه فداه ولم يمض ذبحه ، فخالف هؤلاء عن أمر الشركاء الأمرين معاً فجمعوا لهم بذلك بين إهلاكين : في النفس والدين ، فان القتل في نفسه عظيم جداً ، ووقوعه تديناً بغير أصل ولا شبهة أعظم ، فلا أضل ممن تبع من كان سبباً لإهلاك نفسه ودينه .
ولما كان العرب يدعون الأذهان الثاقبة والأفكار الصافية والآراء الصائبة والعقول الوافرة النافذة{[31361]} ، ذكر لهم ذلك على سبيل التعليل استهزاء بهم ، يعني أنهم فعلوا ذلك لهذه العلة فلم يفطنوا بهم ولم يدركوا ما أرادوا بكم مع أنهم حجارة ، فأنتم أسفل منهم ؛ ولما أثبت للشركاء فعلاً هو التزيين ، وكان قد نفي سابقاً عنهم وعن سائر أعداء الأنبياء الاستقلال به ، وأناط{[31362]} الأمر هناك - لأن السياق للأعداء - بصفة الربوبية المقتضية للحياطة والعناية ، وكان الكلام هنا في خصوص الشركاء ، علق الأمر باسم الذات الدال على الكمال المقتضي للعظمة والجبروت والكبر وسائر الأسماء الحسنى على وجه الإحاطة والجلال فقال : { ولو شاء الله } أي بما له من العظمة والإحاطة بجميع أوصاف الكمال المقتضية للعلو عن الأنداد {[31363]}والتنزه{[31364]} عن الشركاء والأولاد أن لا يفعله المشركون { ما فعلوه } أي ذلك الذي زين{[31365]} لهم ، بل ذلك إنما هو بإرادته ومشيئته احتراساً من ظن أنهم يقدرون على شيء استقلالاً ، وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتخفيفاً ، وأكد التسلية بقوله : { فذرهم وما يفترون * } أي يتقولون{[31366]} من الكذب ويتعمدونه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.