تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ} (36)

35

المفردات :

الطاغوت : أي : الشيطان وكل ما عبد من دون الله مشتق من الطغيان ، وهو تجاوز الحد ، والطاغوت يقع على الواحد والجمع ، مثال وقوعه على الواحد قوله تعالى : { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به } . ( النساء : 60 ) ، ومثال وقوعه على الجمع قوله تعالى : { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } . ( البقرة : 257 ) .

حقت : أي : ثبتت ووجبت ، يقال : حق الأمر ، يحق بفتح الحاء وكسرها ؛ أي : ثبت ووجب .

{ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة . . . } .

إن من سنته تعالى : إرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، وتأييد رسله بالمعجزات ، وقد استمر إرسال الرسل لجميع الأمم السابقة ؛ إرشادا للبشرية وتعليما لها ، وتنبيها للعقول ، وتحذيرا للناس من مكايد الشياطين ، ومن ضلال المضلين ، قال تعالى : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما } . ( النساء : 165 ) .

وقال عز شأنه : { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } . ( فاطر : 24 ) .

ومعنى الآية :

أرسلنا الرسل إلى جميع الخلق ، وبعثنا في كل أمة سبقت قبلكم ، رسلا كما بعثنا فيكم رسولا ، فقال الرسول لقومه : اعبدوا الله وحده لا شريك له ، واحذروا أن يغويكم الشيطان ويصدكم عن سبيل الله فتضلوا .

{ فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة } .

أي : إن البشر كانوا بإزاء الرسل صنفان :

صنف : هداه الله إلى الإيمان ، فآمن بالرسل وبالله وباليوم الآخر ؛ ففاز وأفلح ، واستحق النجاة والرضوان في الدنيا والآخرة .

وصنف : كذب بالرسل ، واستكبر عن قبول الحق ، واتبع الضلال ؛ فاستحق غضب الله وعقابه .

قال الفخر الرازي :

{ ومنهم من حقت عليه الضلالة } . يريد من ظهرت ضلالته ، كما يقال للظالم : حقّ ظلمك وتبين . اه . 24 .

{ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } . أي : التفتوا حولكم أيها المشركون ، أو سيروا في جنوب الجزيرة وشمالها ، وشرقها وغربها ؛ لتشاهدوا ما أصاب المكذبين ، من الدمار والهلاك ، كديار عاد وثمود ومن سار سيرتهم ممن حقت عليهم الضلالة ، وانظروا إلى آثار سخطنا عليهم ؛ لعلكم تعتبرون بما حلّ بهم .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ} (36)

شرح الكلمات :

{ واجتنبوا الطاغوت } : أي عبادة الأصنام والأوثان .

{ حقت عليه الضلالة } : أي وجبت في علم الله أزلاً .

المعنى :

/د35

وقوله في الآية ( 36 ) { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } فأخبر تعالى بأنه ما أخلى أمة من الأمم من إرسال رسول إليها لهدايتها وبيان سبيل نجاتها وتحذيرها من طرق غوايتها وهلاكها . كما أخبر عن وحدة الدعوة بين الرسل وهي لا إله إلا الله المفسرة بعبادة الله تعالى وحده ، واجتناب الطاغوت وهو كل ما عبد من دون الله مما دعا الشيطان إلى عبادته بالتزيين والتحسين عن طريق الوسواس من جهة ومن طريق أوليائه من الناس من جهة أخرى .

وقوله تعالى : { فمنهم } أي من الأمم المرسل إليهم { من هدى الله } فعرف الحق واعتقده وعمل به فنجا وسعد ، { ومنهم من حقت عليه الضلالة } أزلاً في كتاب المقادير لأنه أصر على الضلال وجادل عنه وحارب من أجله باختياره وحريته فحرمه الله لذلك التوفيق فضلَّ ضلالاً لا أمل في هدايته .

وقوله تعالى : { فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } أمر لكفار قريش المجادلين بالباطل المحتجين على شركهم وشرعهم الباطل أمر لهم أن يسيروا في الأرض جنوباً أو شمالاً فلينظروا كيف كانت عاقبة المكذبين أمثالهم من أمة عاد في الجنوب وثمود في الشمال ، ومدين ولوط وفرعون في الغرب .

/ذ36

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ} (36)

قوله تعالى : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ( 36 ) إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين ( 37 ) } .

لله الحجة البالغة على الناس جميعا ؛ فإنه ما من أمة من الأمم على وجه هذه الأرض إلا أرسل الله فيهم نذيرا منهم ليدعوهم إلى عبادة الله وحده وليقلعوا عن الشرك بكل صوره وأشكاله وأن يبتعدوا عن ( الطاغوت ) ويحذروه أشد تحذير .

و ( الطاغوت ) ، معناه : الطاغي المعتدي ، أو كثير الطغيان ، والمراد به هنا كل رأس في الضلال يصرف عن طريق الخير . وهو الشيطان والكاهن والساحر وكل معبود من دون الله من الجن والإنس والأصنام{[2525]} .

وينبغي التذكير بحقيقة الطاغوت في مفهومه المستجد ليكون المسلمون على بينة من أمرهم ، وأن يأخذوا لأنفسهم بالغ الحيطة والحذر مما يدور من حولهم من افتراءات ومؤامرات وخيانات ومكائد . وذلك بالنظر لتطور الأساليب في الإطغاء والإضلال ، وبالنظر للتغيير في وجوه الكفر مع أنها في حقيقتها وماهيتها ليست إلا الجحود والنكول عن منهج الله والإعراض عن دينه ، دين التوحيد والرحمة والعدل والمساواة .

وأساليب الإطغاء والإضلال كثيرة وفظيعة . وهي في هذا الزمان قد اتخذت منحى في غاية الفضاعة والباطل والنكر ، وغاية التأثير الماحق الذي يأتي على القلوب والضمائر فيبدد فيها معالم الصلة بالله ، ويأتي على الفطرة الإنسانية الأساسية فيسومها الإفساد والتمييع والانحراف ، وهو كذلك يأتي على العقول ليصب فيها الثقافات الضالة الجاحدة التي تزين للإنسان إعلان الحرب على منهج الله وعلى دينه الحق ، دين التوحيد والاستقامة والفضيلة كل ذلك بفعل الشياطين من طواغيت البشر الذين يصدون الناس عن منهج الله . منهج الإسلام . وذلك بمختلف الأسباب والوسائل في الخداع والتضليل والتشويه والافتراء ، واصطناع الشبهات والحملات الثقافية المكذوبة على الإسلام في عقيدته وتشريعه وتاريخه ومجتمعه .

إن ذلكم كله من فعل الطاغوت الذي حذرنا الله منه وحرضنا على اجتنابه كيلا نقع في شراكه ، شراك الكفر والظلم والضلال .

قوله : ( فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ) أي من هذه الأمم التي بعث الله فيهم النبيين من أرشده الله إلى دينه الحق القويم فآمن وصدق واستقام . ومنهم من ثبتت عليه الضلالة والزيغ عن الحق لعناده وإصراره على الكفر والباطل .

وهذه من الوسائل الدقيقة التي خاض فيها العلماء من أهل السنة والمعتزلة .

وخلاصة القول في هذه المسألة عند أهل السنة : أن الله سبحانه هدى البعض وأضل البعض . فالهدى والضلال بيد الله سبحانه ، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون ؛ فقد أمر الله الرسل بالتبليغ . وهذا التبليغ واجب عليهم والله تعالى يهدي من يشاء بإحسانه ويضل من يشاء بخذلانه .

وقال المعتزلة : إن الله لم يمنع أحدا من الإيمان ولم يوقعه في الكفر . والرسل ليس عليهم إلا التبليغ ، فما بلغوا ما كلفوا بتبليغه ؛ كان الإنسان بعد ذلك مختارا ما يريده من الحق أو الضلال .

قوله : ( فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) أي إن كنتم تكذبون ما نذكره لكم عن حال الأمم السابقة وما حل بهم من البأس والتدمير بسبب جحودهم وعصيانهم فسيروا أنتم في الأرض التي كانت مقامهم ، والبلاد التي عمروها وبنوا فيها الحضارة وشيدوا فيها المباني والعمران ، ثم انظروا إلى آثار عذاب الله فيهم ، وكيف أعقبهم تكذيبهم وعصيانهم ما حاق بهم من الهلاك والسوء . وسوف تعلمون إذ ذاك صدق ما نقوله لكم لكي تعتبروا وتتعظوا وتتزجروا عن الشرك والضلال .


[2525]:- المعجم الوسيط جـ1 ص 558 ومختار الصحاح ص 393.