تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَٰهًا غَيۡرِي لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِينَ} (29)

[ 29-37 ]

{ قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين( 29 ) قال أو لو جئتك بشيء مبين( 30 ) قال فأت به إن كنت من الصادقين( 31 ) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين( 32 ) ونزغ يده فإذا هي بيضاء للناظرين( 33 ) قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم( 34 ) يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون( 35 ) قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين( 36 ) يأتوك بكل سحّار عليم( 37 ) }

التفسير

29-{ قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين }

ضاق فرعون ذرعا بأدلة موسى على وجود الله ، فقد أخذ موسى عليه كل سبيل ، فلجأ فرعون إلى التهديد والوعيد ، بأن موسى إذا جعل لنفسه إلها غير فرعون فسيدخله في عداد المسجونين ، وكان فرعون جبارا في سجنه ، حيث يلقى بالمسجون في سحيق من الأرض ، لا يسمع ولا يرى فيه شيئا ، ولا يخرج من السجن إلا بعد أن يموت .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَٰهًا غَيۡرِي لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِينَ} (29)

فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله : { ربكم ورب آبائكم الأولين } لأن وجود الإنسان وآبائه أظهر الأدلة عند العقلاء ، وأعظم البراهين ، فإن أنفسهم أقرب الأشياء إليهم فيستدلون بها على وجود خالقهم ، فلما ظهرت هذه الحجة حاد فرعون عنها ونسب موسى إلى الجنون مغالطة منه ، وأيد الازدراء والتهكم في قوله : { رسولكم الذي أرسل إليكم } فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله : { رب المشرق والمغرب } ، لأن طلوع الشمس وغروبها آية ظاهرة لا يمكن أحدا جحدها ولا أن يدعيها لغير الله ، ولذلك أقام إبراهيم الخليل بها الحجة على نمروذ ، فلما انقطع فرعون بالحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب فهدده بالسجن ، فأقام موسى عليه الحجة بالمعجزة ، وذكرها له بتلطف طمعا في إيمانه ، فقال : { أولو جئتك بشيء مبين } والواو واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام وتقديره أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين .

وقد تقدم في الأعراف ذكر العصا واليد ، وماذا تأمرون ، وأرجه ، وحاشرين .

فإن قيل : كيف قال : أولا : { إن كنتم موقنين } ، ثم قال آخرا : { إن كنتم تعقلون } ؟ فالجواب : أنه لاين أولا طمعا في إيمانهم ، فلما رأى منهم العناد والمغالطة : وبخهم بقوله : { إن كنتم تعقلون } ، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون إن رسولكم لمجنون .