تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ كَذَٰلِكَ يُحۡيِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (73)

73- وقوله تعالى : فقلنا اضربوه ببعضها . .

أي اضربوا القتيل ببعض البقرة المذبوحة ولا قطع بتعين هذا البعض ، إنه اللسان أو الفخذ أو عجب الذنب ، فضربوه بجزء منها ، فأحياه الله تعالى ونطق باسم القاتل ثم مات بعد أن أخبر به .

قال الزمخشري : ( فإن قلت : هلا أحياه ابتداء ، ولم شرط في إحيائه ذبح البقرة وضربه ببعضها ؟ قلت : قي الأسباب والشروط حكم فوائد ، وإنما شرط ذلك لما في ذبح البقرة من التقرب وأداء التكاليف ، واكتساب الثواب ، والإشعار بحسن تقديم القربة على الطلب ، وما في التشديد عليهم لتشديدهم ، من اللطف لهم والآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر الله تعالى ، وارتسامها على الفور من غير تفتيش وتكثير سؤال ، ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة ، والدلالة على بركة البر بالوالدين ، والشفقة على الأولاد ، وتجهيل الهازئ بما لا يعلم كنهه ولا يطلع على حقيقته ، من كلام الحكماء ، بيان أن من حق المتقرب إلى ربه أن يتأنق في اختيار ما يتقرب به ، وأن يختاره فتى السن غير قحم ولا ضرع ، حسن اللون بريئا من العيوب ، يونق من ينظر إليه ، وأن يغالي بثمنه ، كما يروى من عمر رضي الله عنه أنه ضحى بنجيبة بثلاثمائة دينار ( 192 ) .

رأي تفسير المنار :

ذهب صاحب المنار إلى أن المراد بالإحياء في قوله تعالى : كذلك يحيي الله الموتى . حفظ الدماء واستبقاؤها وليس المراد به الإحياء الحقيقي بعد الموت وأن ذلك العمل كان وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند التنازع في القاتل إذا وجد القتيل قرب بلد ولم يعرف قاتله ليعرف الجاني من غيره ، فمن غسل يده وفعل ما رسم لذلك في الشريعة برئ من الدم ، ومن لم يفعل ثبتت عليه الجناية ( 193 ) .

والذي نراه أن المراد بالإحياء في قوله تعالى : كذلك يحيي الله الموتى . الإحياء الحقيقي للميت بعد موته وأن تفسيره بحفظ الدماء واستبقاؤها ضعيف لما يأتي :

1- مخالفته لما ورد عن السلف في تفسير الآية( 194 ) .

2- قال تعالى : كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون .

وهي قرينة على أن المراد بالإحياء رد أرواحهم بعد موتهم وليس هناك نص صحيح يعتمد عليه في مخالفة هذا الظاهر ، ولا توجد قرينة مانعة من إرادة هذا المعنى المتبادر من الآية بأدنى تأمل ، وما دام الأمر كذلك فلا يجوز تأويله بما يخلف ما يدل عليه اللفظ دلالة واضحة( 195 ) ومن التعسف الظاهر أن يراد من الموتى الأحياء من الناس ، وبإحياء الموتى تشريع العقوبات صونا لدماء الأحياء منهم . والله تعالى حينما أراد أن يدل على هذا المعنى قال : ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون .

فهذه الآية الكريمة تدل على أن القصاص من الجناة يحفظ على الناس حياتهم بدون التواء أو تعمية .

3- الإراءة في الآية بصرية ولا عقلية ، وسياق الكلام يأبى أن يصرف عن الظاهر وخاصة قوله تعالى : فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى . ( 196 ) .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ كَذَٰلِكَ يُحۡيِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (73)

فقلنا على لسان موسى : اضربوا القتيل بجزء من هذه البقرة ، فلما فعلتم ، أحيى الله القتيل ، وذكر اسم قاتله ، ثم سقط ميتا . . وتلك معجزة من الله لنبيه موسى ، والله على كل شيء قدير .

جميع المفسرين مجمعون على أن ضرب القتيل كان بجزء من البقرة ، وإن اختلفوا في تعيين ذلك الجزء . ومعرفة هذا الجزء لا تنقص ، ولا تزيد في قدر المعجزة ، وإنما هي علم لا يفيد أحدا .

وقد خالف المرحوم عبد الوهاب النجار في تفسير «اضربوه ببعضها » في كتابه قصص الأنبياء ص 259-262 وقال : المراد : بعض أجزاء القتيل ، يعني أن يضرب المتهم بجزء من جسم القتيل ، هذا ما نفهم من كلامه ، وهو يقول : إن قصة ذبح البقرة منفصلة عن قصة القتل ، وكل واحدة على حدة . أما المراد بذبح البقرة ، فهو أن بني إسرائيل كانوا مع المصريين الذين يقدسون البقر ، وكانت فيهم بقية من هذا التقديس ، بدليل أنهم عبدوا تمثال العجل ، فكان لا بد لاقتلاع هذه البقية من نفوسهم ، تكليفهم ذبح البقرة ، فكان لذلك الأمرُ بالذبح ، وكان لذلك المجادلة والتلكؤ منهم ، فذبحوها وما كادوا يقومون بالذبح .

والرأي هنا أقرب إلى التعليل المنطقي ، لا مجرد التفسير .

ويريكم آياته وهي الإحياء وما اشتمل عليه من الأمور البديعة من ترتيب الحياة على الضرب بعضو ميت ، وإخبارُ الميت بقاتله ، مما ترتب عليه الفصل في الخصومة وإزالة أسباب الفتن والعداوة ، لعلكم تفقهون أسباب الشريعة وفائدة الخضوع لها .