تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا} (78)

{ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ( 78 ) ومن الليل فتهجّد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ( 79 ) وقل ربّي أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ( 80 ) وقل جاء الحق وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقا ( 81 ) وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ( 82 ) وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤوسا ( 83 ) قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ( 84 ) }

المفردات :

دلوك الشمس : زوالها عن دائرة نصف النهار ، وقيل : لغروبها ، يقال : دلكت الشمس تدلك دلوكا . أي : زالت ساعة الزوال .

إلى غسق الليل : أي : إلى ظلمته ، هو وقت صلاة العشاء الأخيرة .

وقرآن الفجر : أي : وقت صلاة الصبح ، سميت الصلاة قرآنا ؛ لأنه ركنها .

كان مشهودا : أي : تشهده الملائكة .

78

التفسير :

78 { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا } .

{ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل . . . } دلوك الشمس معناه : زوالها عن كبد السماء ، وقيل : دلوك الشمس هو : غروبها .

قال ابن تيمية : الدلوك : الزوال عند أكثر السلف وهو الصواب .

وقال ابن جرير الطبري : اختلف أهل التأويل في الوقت الذي عناه الله بدلوك الشمس ، فقال بعضهم هو وقت غروبها والصلاة التي أمر بإقامتها حينئذ : صلاة المغرب .

وقال آخرون : دلوك الشمس : ميلها للزوال ، والصلاة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقامتها عند دلوكها الظهر .

وقد نقل الطبري في تفسيره أدلة كل فريق ، ثم قال :

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : عنى بقوله : أقم الصلاة لدلوك الشمس صلاة الظهر وذلك أن الدلوك في كلام العرب : الميل يقال منه : ذلك فلان إلى كذا إذا مال إليه{[450]} .

{ إلى غسق الليل } وغسق الليل هو إقباله ودنوه بظلامه كما قال الشاعر : آب هذا الليل إذا غسقا .

وتكون الصلاة التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بإقامتها هي صلاة المغرب وقال بعضهم : إلى غسق الليل : صلاة العصر . وهو رأي ضعيف مردود .

قال الطبري في تفسيره :

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : الصلاة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإقامتها عند غسق الليل هي صلاة المغرب دون غيرها ؛ لأن غسق الليل هو ما وصفناه من إقبال الليل وظلامه وذلك لا يكون إلا بعد مغيب الشمس ، فأما صلاة العصر فإنها مما تقام من ابتداء دلوك الشمس إلى غسق الليل لا عند غسق الليل .

{ وقرآن{[451]} الفجر } أي : صلاة الصبح سميت : قرآنا ؛ لأنه ركنا ، كما سميت : ركوعا وسجودا فهو من تسمية الكل باسم جزئه المهم .

{ إن قرآن الفجر كان مشهودا } أي : يشهده ملائكة الليل والنهار ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء ، فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار ، أو يشهده كثير من المصلين في العادة أو من حقه أن يكون مشهودا بالجماعة الكثيرة أو يشاهد الإنسان فيه عجائب صنع الله في إدبار الليل وإقبال النهار ، وانتشار الضوء ودبيب الحركة والحياة .

وجاء في تفسير النيسابوري :

قال أهل التحقيق إذا شرع في صلاة الصبح في أول وقتها شاهد في أثنائها انقلاب العالم من الظلمة التي هي نظير الموت إلى الضياء الذي هو نظير الحياة فإنه يفيء عقله من هذه الحالة إلى عجيب صنع المدبر للأنفس والآفاق فيزداد بصيرة وإيقانا ومعرفة وإيمانا وتنفتح عليه أبواب المكاشفة والمشاهدة .

وإذا كان هذا المعنى في الجماعات الكثيرة ؛ صارت نفوسهم كالمرايا المشرقة المتقابلة المتعاكسة أضواؤها الواقعة على كل منها فيزداد كل منهم نورا وبهاء فيتحمل أن يكون قوله : { مشهودا } إشارة إلى هذه الأحوال والمشاهدة ، ولا ريب أنه إذا شرع في الصلاة أول انتباهه من النوم ، قبل أن يرد على لوح عقله وفكره النقوش الفاسدة ، من الأمور الدنيوية الدنية كان أولى : فإن الأنبياء ما بعثوا إلا لإزالة مثل هذه الأمراض عن النقوش{[452]} .

تنبيهات :

1- معنى إقامة الصلاة : أداؤها كاملة الأركان ، مع حضور القلب في مناجاة الرب ، والخشية منه في السر والعلن ، وفي حديث البخاري : ( اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ){[453]} .

والصلاة لب العبادة ؛ لم فيها من مناجاة الخالق ، والتبتل إليه والقيام والركوع والسجود بين يديه ، فهي راحة المؤمن وقرة عينه كما ورد في الحديث : ( وجعلت قرة عيني في الصلاة ){[454]} .

2- قال النسفي : { أقم الصلاة لدلوك الشمس } أي : لزوالها وعلى هذا فالآية جامعة للصلوات الخمس ، أو لغروبها وعلى هذا يخرج الظهر والعصر . { إلى غسق الليل } هو الظلمة وهو وقت صلاة العشاء{[455]} .

3- قال النيسابوري : ذهب كثير من المفسرين كابن قتيبة ، وسعيد ابن جبير منقولا عن بن عباس أن دلوك الشمس هو : غروبها وعلى هذا لا تشمل الآية صلاتي الظهر والعصر .

وأكثر الصحابة والتابعين أن دلوك الشمس : زوالها عن كبد السماء ويؤيده ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر ، قالوا : واشتقاقه من الدلك ؛ لأن الإنسان يدلك عينيه ؛ إذ ينظر إليها وهي في كبد السماء وحمل كلام الله على ما هو أكثر فائدة أولى واللام بمعنى : الوقت أو للتعليل أي : أقم الصلاة في هذا الوقت أو لأجل دخول هذا الوقت{[456]} .

4- يرجح بعض المفسرين أن الآية جامعة للصلوات الخمس ومواقيتها ، فدلوك الشمس بمعنى : زوالها عن كبد السماء يتناول الظهر والعصر تناولا واحدا وغسق الليل بمعنى : إقباله يتناول المغرب والعشاء تناولا واحدا ، وقرآن الفجر يشير إلى صلاة مفردة لا تجمع ولا تقصر وهي صلاة الصبح .

قيل هذا يقتضي أن يكون الدلوك مشتركا بين الظهر والعصر ، والغسق مشتركا بين المغرب والعشاء . فيدل على جواز الجمع مطلقا بين الأولين ، وكذا بين الأخيرين . فالجواب : هو كذلك بعذر السفر أو المطر ونحوها . وأما في غيرها فلا . وذلك لما بينته السنة من فعل كل واحدة في الوقت الخاص بها ، إلا بعذر{[457]} .

قال الحافظ ابن كثير :

قد بينت السنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم تواترا من أفعاله وأقواله ، تفاصيل هذه الأوقات على ما عليه أهل الإسلام اليوم مما تلقوه خلفا عن سلف وقرنا بعد قرن كما هو مقرر في مواضعه .

وعن ابن سيرين : أنه يجوز الجمع من غير خوف ولا مرض لحاجة ما لم يتخذ عادة واختيار ابن المنذر وجماعة جواز الجمع في الحضر من غير خوف ولا مطر .

وقد روى الشيخان{[458]} وغيرهما عن ابن عباس قال : صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة سبعا وثمانيا : الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء .

ومن رواية لمسلم : صلى الظهر والعصر جميعا ، والمغرب والعشاء جميعا من غير خوف ولا سفر ، وكثير من الرواة حملوا ذلك على ليلة مطيرة . والظاهر أن مستند من جوز الجمع في الحضر مطلقا هذه الآية مع أثر ابن عباس{[459]} المتقدم .

5- رجح صاحب الظلال : أن كل ما ورد في هذه الآية وما بعدها مختص بالرسول صلى الله عليه وسلم- وأن أوقات الصلاة المكتوبة ثابتة بالسنة القولية والعملية . وأن هذه الآية لا تشير إلى أوقات الصلاة{[460]} .

ونرى أن هذه الآية تشير إلى أوقات الصلاة بصفة عامة وأن الخطاب فيها للرسول صلى الله عليه وسلم يتناول أمته أيضا .

أما تحديد الأوقات تحديدا قاطعا يتناول بدايتها ونهايتها فقد تكفلت به السنة العملية والقولية .

أما الأمر بالتهجد في الآية القادمة فهو خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم .

ولذلك قال القرآن : { نافلة لك } يقول : نفلا لك عن فرائضك التي فرضتها عليك ، فقد كان قيام الليل فريضة عليه صلى الله عليه وسلم وهو لغيره تطوع{[461]} .


[450]:- تفسير الطبري 15/91، 92.
[451]:- {وقرآن الفجر} منصوب بالعطف على {الصلاة} أي: وأقم صلاة الفجر. وجوز بعض النحاة نصبه على الإغراء، أي: وعليك قرآن الفجر أو الزم قرآن الفجر.
[452]:- تفسير النيسابوري بهامش الطبري 15/75 ط بولاق.
[453]:- الإحسان أن تعبد الله: رواه البخاري في الإيمان ح 50، وفي تفسير القرآن ح 4777، ومسلم في الإيمان ح 8، 9، والترمذي في الإيمان ح ‌2610، والنسائي في الإيمان ح 4990‍، 4991، وأبو داود في السنة ح 4695، وابن ماجة في المقدمة ح 64، 63، وأحمد ح 6121، 5822، 376، 369 من حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما بارزا للناس إذ أتاه رجل يمشي فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقاءه وتؤمن بالبعث الآخر) قال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتأتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان) قال: يا رسول الله، ما الإحسان: قال: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل ولكن سأحدثك عن أشراطها إذا ولدت المرأة ربتها فذاك من أشراطها، وإذا كان الحفاة العراة رءوس الناس فذاك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام. . } ثم انصرف الرجل فقال: (ردوا علي) فأخذوا ليردوا فلم يروا شيئا فقال: (هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم). ومن حديث عمر بن الخطاب. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[454]:- وجعل قرة عيني في الصلاة: رواه النسائي (3939، 3940 وأحمد (12644، 11885، 11884) من حديث أنس بن مالك. قال: قال رسول الله صلى الله عليهم وسلم: (حبب إلي من الدنيا النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة). قال العراقي: رواه النسائي والحاكم من حديث أنس بإسناد جيد وضعفه العقيلي. قال المناوي في الفيض: قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وقال الحافظ العراقي: إسناده جيد، وقال ابن حجر: حسن، واعلم أن المصنف جعل في الخطبة (حم) رمزا لأحمد في مسنده فاقتضى ذلك أن أحمد روى هذا في المسند وهو باطل فإنه لم يخرجه فيه وإنما خرجه في كتاب الزهد فعزوه إلى المسند سبق ذهن أو قلم قلت: وكلام المناوي فيه نظر فإن الحديث رواه أحمد في مسنده كما تقدم من حديث أنس بن مالك وذكره في ثلاث مواضع، فتأمل.
[455]:- تفسير النسقي 2/650.
[456]:- تفسير النيسابوري 15/73.
[457]:- تفسير القاسمي 10/2960.
[458]:- أخرجه البخاري في الجزء التاسع، كتاب مواقيت الصلاة، والثاني عشر، باب تأخير الظهر إلى العصر رقم 353 (عن ابن عباس). وأخرجه مسلم في الجزء السادس، كتاب صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم 55 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
[459]:- تفسير القاسمي 10/3960، 3961.
[460]:- في ظلال القرآن بقلم: سيد قطب 15/62.
[461]:- تفسير الطبري 15/96 ط بولاق.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا} (78)

فيه سبع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " أقم الصلاة لدلوك الشمس " لما ذكر مكايد المشركين أمر نبيه عليه السلام بالصبر والمحافظة على الصلاة ، وفيها طلب النصر على الأعداء . ومثله " ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ، فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين{[10337]} " . وتقدم القول في معنى إقامة الصلاة في أول سورة " البقرة " {[10338]} . وهذا الآية بإجماع من المفسرين إشارة إلى الصلوات المفروضة . واختلف العلماء في الدلوك على قولين : أحدهما - أنه زوال الشمس عن كبد السماء ، قاله عمر وابنه وأبو هريرة وابن عباس وطائفة سواهم من علماء التابعين وغيرهم . الثاني - أن الدلوك هو المغرب ، قاله علي وابن مسعود وأبي بن كعب ، وروى عن ابن عباس . قال الماوردي : من جعل الدلوك اسما لغروبها فلأن الإنسان يدلك عينيه براحته لتبينها حالة المغيب ، ومن جعله اسما لزوالها فلأنه يدلك عينيه لشدة شعاعها . وقال أبو عبيد : دلوكها غروبها . ودلكت براح يعني الشمس ، أي غابت وأنشد قطرب :

هذا مُقامُ قدمي رَبَاحِ *** ذَبَّبَ حتى دلكت براح

براح بفتح الباء على وزن حزام وقطام ورقاش اسم من أسماء الشمس{[10339]} . ورواه الفراء بكسر الباء{[10340]} وهو جمع راحة وهي الكف ، أي غابت وهو ينظر إليها وقد جعل كفه على حاجبه . ومنه قوله العجاج :

والشمس قد كادت تكون دَنَفَا *** أدفعها بالراح كي تَزَحْلَفَا

قال ابن الأعرابي : الزحلوفة مكان منحدر أملس ، لأنهم يتزحلفون فيه . قال : والزحلفة كالدحرجة والدفع ، يقال : زحلفته فتزحلف . ويقال : دلكت الشمس إذا غابت . قال ذو الرمة :

مصابيح ليست باللواتي تقودها *** نجومٌ ولا بالآفلات الدوالك

قال ابن عطية : الدلوك هو الميل - في اللغة - فأول الدلوك هو الزوال وآخره هو الغروب . ومن وقت الزوال إلى الغروب يسمى دلوكا ؛ لأنها في حالة ميل . فذكر الله تعالى الصلوات التي تكون في حالة الدلوك وعنده ، فيدخل في ذلك الظهر والعصر والمغرب ، ويصح أن تكون المغرب داخلة في غسق الليل . وقد ذهب قوم إلى أن صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب ؛ لأنه سبحانه علق وجوبها على الدلوك ، وهذا دلوك كله ، قاله الأوزاعي وأبو حنيفة في تفصيل . وأشار إليه مالك والشافعي في حالة الضرورة .

الثانية : قوله تعالى : " إلى غسق الليل " روى مالك عن ابن عباس قال : دلوك الشمس ميلها ، وغسق الليل اجتماع الليل وظلمته . وقال أبو عبيدة : الغسق سواد الليل . قال ابن قيس الرقيات :

إن هذا الليل قد غَسَقَا *** واشتكيتُ الهمَّ والأَرَقَا

وقد قيل : غسق الليل مغيب الشفق . وقيل : إقبال ظلمته . قال زهير :

ظلّت تجود يداها وهي لاهية *** حتى إذا جنح الإظلام والغسق

يقال : غسق الليل غسوقا . والغسق اسم بفتح السين . وأصل الكلمة من السيلان ، يقال : غسقت العين إذا سالت ، تغسق . وغسق الجرح غسقانا ، أي سال منه ماء أصفر . وأغسق المؤذن ، أي أخر المغرب إلى غسق الليل . وحكى الفراء : غسق الليل وأغسق ، وظلم أظلم ، ودجا وأدجى ، وغبس وأغبس ، وغبش وأغبش . وكان الربيع بن خثيم{[10341]} يقول لمؤذنه في يوم غيم : أغسق أغسق . يقول : أخر المغرب حتى يغسق الليل ، وهو إظلامه .

الثالثة : اختلف العلماء في آخر وقت المغرب ، فقيل : وقتها وقت واحد لا وقت لها إلا حين تحجب الشمس ، وذلك بين في إمامة جبريل ، فإنه صلاها باليومين لوقت واحد وذلك غروب الشمس ، وهو الظاهر من مذهب مالك عند أصحابه . وهو أحد قولي الشافعي في المشهور عنه أيضا وبه قال الثوري . وقال مالك في الموطأ : فإذا غاب الشفق فقد خرجت من وقت المغرب ودخل وقت العشاء . وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن حي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود ؛ لأن وقت الغروب إلى الشفق غسق كله . ولحديث أبي موسى ، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالسائل المغرب في اليوم الثاني فأخر حتى كان سقوط الشفق . خرجه مسلم . قالوا : وهذا أولى من أخبار إمامة جبريل ؛ لأنه متأخر بالمدنية وإمامة جبريل بمكة ، والمتأخر أولى من فعله وأمره ؛ لأنه ناسخ لما قبله . وزعم ابن العربي أن هذا القول هو المشهور من مذهب مالك ، وقوله في موطئه الذي أقرأه طول عمره وأملاه في حياته . والنكتة في هذا أن الأحكام المتعلقة بالأسماء هل تتعلق بأوائلها أو بآخرها أو يرتبط الحكم بجميعها ؟ والأقوى في النظر أن يرتبط الحكم بأوائلها لئلا يكون ذكرها لغوا فإذا ارتبط بأوائلها جرى بعد ذلك النظر في تعلقه بالكل إلى الآخر .

قلت : القول بالتوسعة أرجح . وقد خرج الإمام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث الأجلح بن عبد الله الكندي عن أبي الزبير عن جابر قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قريبا من غروب الشمس فلم يصل المغرب حتى أتى سَرِف ، وذلك تسعة أميال . وأما القول بالنسخ فليس بالبين وإن كان التاريخ معلوما ، فإن الجمع ممكن . قال علماؤنا : تحمل أحاديث جبريل على الأفضلية في وقت المغرب ؛ ولذلك اتفقت الأمة فيها على تعجيلها والمبادرة إليها في حين غروب الشمس . قال ابن خويز منداد : ولا نعلم أحدا من المسلمين تأخر بإقامة المغرب في مسجد جماعة عن وقت غروب الشمس . وأحاديث التوسعة تبين وقت الجواز ، فيرتفع التعارض ويصح الجمع ، وهو أولى من الترجيح باتفاق الأصوليين ؛ لأن فيه إعمال كل واحد من الدليلين ، والقول بالنسخ أو الترجيح فيه إسقاط أحدهما . والله أعلم .

الرابعة : قوله تعالى : " وقرآن الفجر " انتصب " قرآن " من وجهين : أحدهما أن يكون معطوفا على الصلاة ، المعنى : وأقم قرآن الفجر أي صلاة الصبح ، قاله الفراء . وقال أهل البصرة . انتصب على الإغراء ، أي فعليك بقرآن الفجر ، قاله الزجاج . وعبر عنها بالقرآن خاصة دون غيرها من الصلوات ؛ لأن القرآن هو أعظمها ، إذ قراءتها طويلة مجهور بها حسبما هو مشهور مسطور ، عن الزجاج أيضا .

قلت : وقد استقر عمل المدينة على استحباب إطالة القراءة في الصبح قدرا لا يضر بمن خلفه - يقرأ فيها بطوال المفصل ، ويليها في ذلك الظهر والجمعة - وتخفيف القراءة في المغرب وتوسطها في العصر والعشاء . وقد قيل في العصر : إنها تخفف كالمغرب . وأما ما ورد في صحيح مسلم وغيره من الإطالة فيما استقر فيه التقصير ، أو من التقصير فيما استقرت فيه الإطالة ، كقراءته في الفجر المعوذتين - كما رواه النسائي - وكقراءة الأعراف والمرسلات والطور في المغرب ، فمتروك بالعمل . ولإنكاره على معاذ التطويل ، حين أم قومه في العشاء فافتتح سورة البقرة . خرجه الصحيح . وبأمره الأئمة بالتخفيف فقال : ( أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أمّ الناس فليخفف فإن فيهم الصغير والكبير والمريض والسقيم والضعيف وذا الحاجة ) . وقال : ( فإذا صلى أحدكم وحده فليطول ما شاء ) . كله مسطور في صحيح الحديث .

الخامسة : قوله تعالى : " وقرآن الفجر " دليل على أن لا صلاة إلا بقراءة ؛ لأنه سمى الصلاة قرآنا . وقد اختلف العلماء في القراءة في الصلاة فذهب جمهورهم إلى وجوب قراءة أم القرآن للإمام والفذّ في كل ركعة . وهو مشهور قول مالك . وعنه أيضا أنها واجبة في جل الصلاة . وهو قول إسحاق . وعنه أيضا تجب في ركعة واحدة ، قاله المغيرة وسحنون . وعنه أن القراءة لا تجب في شيء من الصلاة . وهو أشذ الروايات عنه . وحكي عن مالك أيضا أنها تجب في نصف الصلاة ، وإليه ذهب الأوزاعي . وعن الأوزاعي أيضا وأيوب أنها تجب على الإمام والفذ والمأموم على كل حال . وهو أحد قولي الشافعي . وقد مضى في " الفاتحة{[10342]} " مستوفى .

السادسة : قوله تعالى : " كان مشهودا " روى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : " وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " قال : ( تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ) هذا حديث حسن صحيح . ورواه علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم . وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح ) . يقول أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم " وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " . ولهذا المعنى أيضا قال مالك والشافعي : التغليس بالصبح أفضل . وقال أبو حنيفة : الأفضل الجمع بين التغليس والإسفار ، فإن فاته ذلك فالإسفار أولى من التغليس . وهذا مخالف لما كان عليه السلام يفعله من المداومة على التغليس ، وأيضا فإن فيه تفويت شهود ملائكة الليل . والله أعلم .

السابعة : استدل بعض العلماء بقوله صلى الله عليه وسلم : ( تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ) على أن صلاة الصبح ليست من صلاة الليل ولا من صلاة النهار .

قلت : وعلى هذا فلا تكون صلاة العصر أيضا لا من صلاة الليل ولا من صلاة النهار ، فإن في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم الفصيح عليه السلام فيما رواه أبو هريرة : ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر ) الحديث . ومعلوم أن صلاة العصر من النهار فكذلك تكون صلاة الفجر من الليل وليس كذلك ، وإنما هي من النهار كالعصر بدليل الصيام والإيمان ، وهذا واضح .


[10337]:راجع ص 64 من هذا الجزء.
[10338]:راجع ج 1 ص 164.
[10339]:كذا في الأصول، والصواب عن أسماء النساء.
[10340]:أي باء الجر.
[10341]:هذا ضبط التقريب، والذي في الخلاصة: بفتح المعجمة والمثلثة بينهما تحتانية ساكنة وهذا هو المشهور.
[10342]:راجع ج 1 ص 117 فما بعد.