زهق : أي : زال واضمحل . من زهق روحه يزهق ؛ إذا خرج .
81- { وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } .
{ وقل جاء الحق } . أي : الإسلام { وزهق الباطل } أي : اضمحل الشر من زهقت ؛ نفسه إذا خرجت .
أمره الله أن يقول ذلك : استبشارا ؛ بقرب الظفر والنصر وترهيبا للمشركين !
{ إن الباطل كان زهوقا } . أي : مضمحلا غير ثابت في كل وقت .
تلك حقيقة لدنية يقررها القرآن بصيغة التوكيد . وإن بدا للنضرة الأولى أن للباطل صولة ودولة ، فالباطل ينتفخ وينفش ؛ لأنه باطل لا يطمئن إلى حقيقة ، ومن ثم يحاول أن يموه على العين ، وأن يبدوا عظيما كبيرا ضخما راسخا ، ولكنه هش سريع العطب ، كشعلة الهشيم ، ترتفع في الفضاء عاليا ثم تخبو سريعا وتستحيل إلى رماد ، بينما الجمرة الذاكية تدفئ وتنفع وتبقى ، وكالزبد يطفو على الماء ولكنه يذهب جفاء ويبقى الماء .
{ إن الباطل كان زهوقا } ، ومن ورائه الشيطان ومن ورائه السلطان . ولكن وعد الله أصدق وسلطان الله أقوى وما من مؤمن ذاق طعم الإيمان ، إلا وذاق معه حلاوة الوعد ، وصدق العهد ، ومن أوفى بعهده من الله ؟ ومن أصدق من الله حديثا ؟ ! {[472]} .
سياق هذه الآيات مع ما سبقها أعني : قوله تعالى : { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض } يدل على أن نزولها في أوقات الاهتمام للهجرة إلى المدينة ، ومبارحة مكة وأنه تعالى أمر نبيه بأن يبتهل إليه في تيسير هجرته وإخراجه من بلده ، وأن يجعل له حماية من لدنه تعز جانبه وتعصمه ممن يرومه بسوء .
وأسلوب التنزيل العزيز في مثل هذا الدعاء هو إرادة الخبر بحصول المدعو ، ومشيئة الله بوقوعه عن قرب . ولذلك عقبه بقوله : { وقل جاء الحق وزهق الباطل } ؛ إعلاما بأن الأمر قد تم ، والفرج جاء ودحر الباطل ورجع إلى أصله ، وهو العدم{[473]} .
أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما ، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول : ( جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد ){[474]} وفي رواية للطبراني والبيهيقي عن ابن عباس : أنه صلى الله عليه وسلم جاء ومعه قضيب فجعل يهوي به إلى كل صنم فيها فيخر لوجهه فيقول : ( جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) حتى مر عليها كلها .
قال في الإكليل : فيه استحباب تلاوة هذه الآية عند إزالة المنكر .
الأولى : روى البخاري والترمذي عن ابن مسعود قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يطعنها بمخصرة{[10353]} في يده - وربما قال بعود - ويقول : ( جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا . جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد ){[10354]} لفظ الترمذي . وقال : هذا حديث حسن صحيح . وكذا في حديث مسلم ( نصبا ) . وفي رواية ( صنما ) . قال علماؤنا : إنما كانت بهذا العدد لأنهم كانوا يعظمون في يوم صنما ويخصون أعظمها بيومين . وقوله : ( فجعل يطعنها بعود في يده ) يقال إنها كانت مثبتة بالرصاص وأنه كلما طعن منها صنما في وجهه خر لقفاه ، أو في قفاه خر لوجهه . وكان يقول : ( جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) حكاه أبو عمر والقاضي عياض . وقال القشيري : فما بقي منها صنم إلا خر لوجهه ، ثم أمر بها فكسرت .
الثانية : في هذه الآية دليل على كسر نصب المشركين وجميع الأوثان إذا غلب عليهم ، ويخل بالمعنى كسر آلة الباطل كله ، وما لا يصلح إلا لمعصية الله كالطنابير والعيدان والمزامير التي لا معنى لها إلا اللهو بها عن ذكر الله تعالى . قال ابن المنذر : وفي معنى الأصنام الصور المتخذة من المدر والخشب وشبهها ، وكل ما يتخذه الناس مما لا منفعة فيه إلا اللهو المنهي عنه . ولا يجوز بيع شيء منه إلا الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص ، إذا غيرت عما هي عليه وصارت نقرا{[10355]} أو قطعا فيجوز بيعها والشراء بها . قال المهلب : وما كسر من آلات الباطل وكان في حبسها بعد كسرها منفعة فصاحبها أولى بها مكسورة ، إلا أن يرى الإمام حرقها بالنار على معنى التشديد والعقوبة في المال . وقد تقدم حرق ابن عمر رضي الله عنه{[10356]} . وقد هم النبي صلى الله عليه وسلم بتحريق دور من تخلف عن صلاة الجماعة . وهذا أصل في العقوبة في المال ، مع قوله عليه السلام في الناقة التي لعنتها صاحبتها : ( دعوها فإنها ملعونة ) فأزال ملكها عنها تأديبا لصاحبتها ، وعقوبة لها فيما دعت عليه بما دعت به . وقد أراق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبنا شيب بماء على صاحبه .
الثالثة : ما ذكرنا من تفسير الآية ينظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم : ( والله لينزلن عيسى بن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القلاص{[10357]} فلا يسعى عليها . . . ) الحديث . خرجه الصحيحان . ومن هذا الباب هتك النبي صلى الله عليه وسلم الستر الذي فيه الصور ، وذلك أيضا دليل على إفساد الصور وآلات الملاهي كما ذكرنا . وهذا كله يحظر المنع من اتخاذها ويوجب التغيير على صاحبها . إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم : أحيوا ما خلقتم ، وحسبك ! وسيأتي هذا المعنى في " النمل{[10358]} " إن شاء الله تعالى . قوله تعالى : " وقل جاء الحق " أي الإسلام . وقيل : القرآن ، قاله مجاهد . وقيل : الجهاد . " وزهق الباطل " قيل الشرك . وقيل الشيطان ، قاله مجاهد . والصواب تعميم اللفظ بالغاية الممكنة ، فيكون التفسير جاء الشرع بجميع ما انطوى فيه . " وزهق الباطل " : بطل الباطل . ومن هذا زهوق النفس وهو بطلانها . يقال زهقت نفسه تزهق زهوقا ، وأزهقتها . " إن الباطل كان زهوقا " أي لا بقاء له والحق الذي يثبت .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.