تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ} (51)

{ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 51 ) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ( 52 ) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 53 ) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ( 54 ) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ( 55 ) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ( 56 ) } .

51

التفسير :

51 - يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا .

الطيبات : ما يستطاب ويستلذ من المباحات في المأكل والفواكه .

واعملوا صالحا : من فرض ونفل .

هذا نداء من الله تعالى للرسل وأتباعهم ، بالأكل من الطيبات ، وهو ما تستطيبه النفس من الطعام والفاكهة ؛ بشرط أن يكون حلالا ، ويتبع الأكل من الطيبات ، العمل الصالح ؛ شكرا لله على النعمة ، وامتثالا لأمره تعالى ، حيث قدم الأكل من الطيبات على العمل الصالح .

إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ .

إني مطلع على جميع أعمالكم ، ومجازيكم بالإحسان إحسانا ، وبالسوء سوءا حيث لا يخفى علي شيء من أعمالكم . فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ . ( الزلزلة : 7 ، 8 ) .

وقد حفلت كتب السنة الصحيحة بأهمية الأكل من الحلال الطيب وتأكيد ذلك ، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، كما نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الأكل من الحرام وحذر منه .

أخرج مسلم ، وأحمد ، والترمذي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( يا أيها الناس ، إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ . وقال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ . . . ( البقرة : 172 ) .

ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعت أغبر ، ومطمعه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، يمد يديه إلى السماء : يا رب يا رب ، فأنى يستجاب له ) ؟ xviii .

وأخرج أحمد ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والحاكم ، عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس رضي الله عنها أنها بعثت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقدح لبن حين فطره وهو صائم ، فرد إليها رسولها ، وقال : ( من أين لك هذا ) ؟ فقالت : من شاة لي ، ثم رده ، وقال : ( من أين هذه الشاة ) ؟ فقالت : اشتريتها بمالي ، فأخذه ، فلما كان من الغد أمته ، وقالت : يا رسول الله ، لم رددت اللبن ؟ فقال : صلى الله عليه وآله وسلم : ( أمرت الرسل ألا يأكلوا إلا طيبا ، ولا يعملوا إلا صالحا ) .

وجاء في بعض الأخبار : ( إن الله تعالى لا يقبل عبادة من في جوفه لقمة من حرام ) .

وصح أيضا : ( أيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به )xix .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ} (51)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى-روى الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم " وقال تعالى " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " {[11676]} [ البقرة : 172 ] - ثم ذكر{[11677]}- الرجل{[11678]} يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك ) .

الثانية-قال بعض العلماء : والخطاب في هذه الآية للنبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه أقامه مقام الرسل ، كما قال : " الذين قال لهم الناس " {[11679]} [ آل عمران : 173 ] يعني نعيم بن مسعود . وقال الزجاج : هذه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم ، ودل الجمع على أن الرسل كلهم كذا أمروا ، أي كلوا من الحلال . وقال الطبري : الخطاب لعيسى عليه السلام ، روي أنه كان يأكل من غزل أمه . والمشهور عنه أنه كان يأكل من بقل البرية . ووجه خطابه لعيسى ما ذكرناه من تقديره لمحمد صلى الله عليه وسلم تشريفا له . وقيل : إن هذه المقالة خوطب بها كل نبي ؛ لأن هذه طريقتهم التي ينبغي لهم الكون عليها . فيكون المعنى : وقلنا يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ، كما تقول لتاجر : يا تجار ينبغي أن تجتنبوا الربا ، فأنت تخاطبه بالمعنى . وقد اقترن بذلك أن هذه المقالة تصلح لجميع صنفه ، فلم يخاطبوا قط مجتمعين صلوات الله عليهم أجمعين ، وإنما خوطب كل واحد في عصره . قال الفراء : هو كما تقول للرجل الواحد : كفوا عنا أذاكم .

الثالثة-سوى الله تعالى بين النبيين والمؤمنين في الخطاب بوجوب أكل الحلال وتجنب الحرام ، ثم شمل الكل في الوعيد الذي تضمنه قوله تعالى : " إني بما تعملون عليم " صلى الله على رسله وأنبيائه . وإذا كان هذا معهم فما ظن كل الناس بأنفسهم . وقد مضى القول في الطيبات والرزق في غير موضع{[11680]} ، والحمد لله . وفي قوله عليه السلام ( يمد يديه ) دليل على مشروعية مد اليدين عند الدعاء إلى السماء ، وقد مشى الخلاف في هذا والكلام فيه والحمد لله{[11681]} . وقوله عليه السلام ( فأنى يستجاب لذلك ) على جهة الاستبعاد ، أي أنه ليس أهلا لإجابة دعائه لكن يجوز أن يستجيب الله له تفضلا ولطفا وكرما .


[11676]:راجع ج 2 ص 215.
[11677]:هذه الجملة من كلام الراوي، والضمير فيه للنبي صلى الله عليه وسلم.
[11678]:الرجل، بالرفع مبتدأ، مذكور على وجه الحكاية من لفظ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويجوز أن ينصب على أنه مفعول "ذكر".
[11679]:راجع ج 4 ص 279.
[11680]:راجع ج 1 ص 177.
[11681]:راجع ج 7 ص 198 و ص 223.