تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ} (56)

51

55 ، 56 - أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ .

أنما نمدهم به : م نعطيهم ونجعله مددا لهم .

بل لا يشعرون : أن ذلك استدراج لهم ، وإنما هم كالبهائم لا فطنة عندهم ولا شعور ليتأملوا فيعلموا أن ذلك الإمداد استدراج .

أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ، ومعزتهم عندنا ، كلا ليس الأمر كما يزعمون في قولهم : نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ . ( سبأ : 35 ) .

لقد أخطأوا في ذلك وخاب رجاؤهم ، بل إنما نفعل ذلك استدراجا ، وإنظارا ، وإمهالا .

بَل لَّا يَشْعُرُونَ .

لا يحسون ولا يعلمون أن ما هم فيه من نعمة ومال وبنين إنما هو اختبار وابتلاء واستدراج ، وأخذ بأيديهم إلى العذاب .

كما قال تعالى : فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا . . . ( التوبة : 55 ) .

وقال تعالى : فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ . ( القلم : 44 ، 45 ) .

أخرج أحمد ، والطبراني ، والبيهقي في شعب الإيمان ، عن عقبة بن عامر : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب ، وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج )xx .

والخلاصة :

أن هذا الإمداد للكفار ليس إلا استدراجا لهم إلى المعاصي ، واستجرارا إلى زيادة الإثم ، وهو يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات إكراما لهم ، وتعجيلا للثواب قبل وقته .

روى الإمام أحمد ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن الله قسم بينكم أخلاقكم ، كما قسم بينكم أرزاقكم ، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الدين إلا من أحب ، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه ، والذي نفس محمد بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه ، قالوا : وما بوائقه يا رسول الله ؟ قال : غشمه وظلمه ، ولا يكسب عبد مالا من حرام ، فينفق منه فيبارك له فيه ، ولا يتصدق به فيقبل منه ، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ، ولكن يمحو السيئ بالحسن ، إن الخبيث لا يمحو الخبيث ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ} (56)

قوله تعالى : " أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين " " ما " بمعنى الذي ، أي أيحسبون يا محمد أن الذي نعطيهم في الدنيا من المال والأولاد هو ثواب لهم ، إنما هو استدراج وإملاء ، ليس إسراعا في الخيرات . وفي خبر " أن " ثلاثة أقوال ، منها أنه محذوف . وقال الزجاج : المعنى نسارع لهم به في الخيرات ، وحذفت به . وقال هشام الضرير قولا دقيقا ، قال : " أنما " هي الخيرات ، فصار المعنى : نسارع لهم فيه ، ثم أظهر فقال " في الخيرات " ، ولا حذف فيه على هذا التقدير . ومذهب الكسائي أن " أنما " حرف واحد فلا يحتاج إلى تقدير حذف ، ويجوز الوقف على قول " وبنين " . ومن قال " أنما " حرفان فلا بد من ضمير يرجع من الخبر إلى اسم " أن " ولم يتم الوقف على " وبنين " . وقال السختياني : لا يحسن الوقف على " وبنين " ؛ لأن " يحسبون " يحتاج إلى مفعولين ، فتمام المفعولين " في الخيرات " قال ابن الأنباري : وهذا خطأ ؛ لأن " أن " كافية من اسم أن وخبرها ولا يجوز أن يؤتى بعد " أن " بمفعول ثان . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعبد الرحمن بن أبي بكرة " يسارع " بالياء ، على أن يكون فاعله إمدادنا . وهذا يجوز أن يكون على غير حذف ، أي يسارع لهم الإمداد . ويجوز أن يكون فيه حذف ، ويكون المعنى يسارع الله لهم . وقرئ " يسارع لهم في الخيرات " وفيه ثلاثة أوجه : أحدها على حذف به . ويجوز أن يكون يسارع الأمداد . ويجوز أن يكون " لهم " اسم ما لم يسم فاعله ، ذكره النحاس . قال المهدوي : وقرأ الحر النحوي " نسرع لهم في الخيرات " وهو معنى قراءة الجماعة . قال الثعلبي : والصواب قراءة العامة ؛ لقوله " نمدهم " . " بل لا يشعرون " أن ذلك فتنة لهم واستدراج .