مفاتح : جمع مفتح أو مفتاح – بكسر الميم فيهما ، وهو أداة الفتح . والمراد بمفتاح الغيب : أسباب علمه .
في كتاب مبين : الكتاب المبين هو علم الله .
55- وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها . . . الآية .
تصور هذه الآية علم الله تعالى الشامل المحيط لهذا الكون ، فلا يند عن علم الله شيء في الزمان ولا في المكان ، في الأرض ولا في السماء ، في البر ولا في البحر ، في جوف الأرض ، ولا في طبقات الجو ، من حي وميت ويابس ورطب .
أي أن الله سبحانه وتعالى استأثر بعلم الغيب فلا يعلمه أحد سواه ، إنه هو الذي خلق الإنسان ، وكتب أجله ورزقه ، وشقي أو سعيد ، وهو المحيط علما بما في البر والبحر وخصهما بالذكر لأنهما مشاهدان أمام الإنسان وهما رمز لإحاطة علم الله الشامل بكل ما في الكون .
والمعنى : يعلم ما في البر والبحر من أجزائهما ، وما ظهر أو خفي فيهما : من الإنسان والحيوان والنبات ، والسوائل ، والجوامد ، والأدهنة والأبخرة ، وعناصرها ، وذراتها ، ومكونات هذه الذرات .
وقد صرح الحق سبحانه بشمول علمه لكل كلي وجزئي ، ولكل صغير وكبير ، ولكل دقيق وجليل فقال سبحانه :
وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين . أي وما تسقط ورقة ما من شجرة من الأشجار ، ولا حبة في باطن الأرض وأجوافها ، ولا رطب ولا يابس من الثمار أو غيرها ، إلا ويعلمه علما تاما شاملا ، لأن ذلك مكتوب ومحفوظ في العلم الإلهي الثابت .
ويمكن أن نضيف إلى تفسير هذه الآية ما يأتي :
قامت الشيوعية وأظهرت تبرمها بالأديان ، وادعت أن الإنسان يخطط لنفسه ويصنع مستقبله بعلمه وعمله وظن الناس ان التطور العلمي سيحدد مستقبل الإنسان ، وإذا بالعلماء يصرحون أن الإنسان كلما زاد علمه زاد إدراكه بالجهل ، واتساع دائرة ما لا يعلمه . أي أن زيادة العلم تشعر الإنسان بزيادة الجهل بحقائق كثيرة في هذا الكون ، وبذلك تراجعت الفلسفة الشيوعية ، وانسحبت الشيوعية من أوروبا الشرقية بعد مرور ( 70 ) سبعين عاما على نشأتها وعاد الإيمان إلى الناس ، وعادت ثقتهم في الإيمان بالغيب .
الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر عاد الناس إلى الكنائس في موسكو نفسها ، وفي غيرها من البلدان التي كانت شيوعية ، ولم يكن الذاهبون إلى الكنائس من كبار السن فقط بل كان فيهم الشباب والفتيان والفتيات .
يتعلق بهذه الآية أيضا : أن علم الغيب مقصور على الله تعالى ، أما ظن الغيب بأمارات فإنه ممكن لمن يأخذ بأسباب هذه المعرفة كما يحدث عن الراصدين لحركات الرياح والشمس والقمر ، حين يخبرون بهبوب الرياح بشدة أو باعتدالها ، وبكسوف الشمس يوم كذا ، وبخسوف القمر ليلة كذا ، وكما يحدث عن علماء الفلك حين يخبرون بزمن نزول المطر ، أو نزول درجة الحرارة أو صعودها .
أو نحو ذلك ، فيقع الأمر كما قالوا . . وكما يفعله الأطباء بحكم العادة عندهم إذ يقولون : لمن حلمة ثديها الأيمن سوداء جنينك ذكر ، ولمن حلمة ثديها الأيسر كذلك جنينك أنثى فيقع الأمر كما قالوا . ونحو ذلك مما يخضع لقواعد علمية أو أمارات ظنية .
أما العرافون الذين يدعون علم الغيب كقول أحدهم :
إنك ستكسب كذا ، أو تتزوج فلانة فهو آثم جاحد .
قال علماؤنا : أضاف سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آية من كتابه ، إلا من اصطفى من عباده ، والله تعالى يقول : قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله .
ثم قال : وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان بإتيان المنجمين والكهان ولا سيما بالديار المصرية ، فقد شاع في رؤسائهم وأتباعهم وأمرائهم ، اتخاذ المنجمين ، بل ولقد انخدع كثير من المنتسبين للفقر والدين فلجأوا إلى هؤلاء الكهنة والعرافين فبهرجوا عليهم بالمحال واستخرجوا منهم الأموال ، فحصلوا من أقوالهم على السراب ( 93 ) .
وقد ورد في السنة الصحيحة النهي عن الذهاب إلى العرافين والمنجمين ، جاء في صحيح مسلم : ( من أتى عرافا فسأله عن شيء ، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ( 94 ) .
وروى البخاري بسنده عن ابن عمر أن رسول الله قال : ( مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم أحد ما يكون في غد إلا الله ، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام إلا الله ، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا ، ولا تدري نفس بأي أرض تموت ، ولا يدري أحد متى يجيء المطر ( 95 ) .
وهذا الحديث يوافق قوله تعالى : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير . ( لقمان : 34 ) .
وهنا نجد بعض الناس يتساءلون عن توصل العلم إلى معرفة نوع الجنين ، والجواب أن علم الله بما في الأرحام علم شامل يمتد إلى معرفة أجله ورزقه وسعادته أو شقاوته وهذه أمور لا يعلمها إلا الله تعالى .
ولا ينبغي أن نطاوع العامة في محاولة معرفة المستقبل عند العرافين فقد روى الإمام أحمد وغيره عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه ، فقد كفر بما أنزل على محمد ( 96 ) .
الأولى - جاء في الخبر أن هذه الآية لما نزلت معها اثنا عشر ألف ملك . وروي البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عيه وسلم قال : ( مفاتح الغيب خمس لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ولا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله ) . وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت : من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية ، والله تعالى يقول : " قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله " {[6403]} [ النمل : 65 ] . ومفاتح جمع مفتح ، هذه اللغة الفصيحة . يقال : مفتاح ويجمع مفاتيح . وهي قراءة ابن السميقع " مفاتيح " . والمفتح عبارة عن كل ما يحل غلقا ، محسوسا كان كالقفل على البيت أو معقول كالنظر ، وروى ابن ماجة في سننه وأبو حاتم البستي في صحيحه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه ) . وهو في الآية استعارة عن التوصل إلى الغيوب كما يتوصل في الشاهد بالمفتاح إلى المغيب عن الإنسان ؛ ولذلك قال بعضهم : هو مأخوذ من قول الناس : افتح علي كذا ؛ أي أعطني أو علمني ما أتوصل إليه به . فالله تعالى عنده علم الغيب ، وبيده الطرق الموصلة إليه ، لا يملكها إلا هو ، فمن شاء إطلاعه عليها أطلعه ، ومن شاء حجبه عنها حجبه . ولا يكون ذلك من إفاضته إلا على رسله ، بدليل قوله تعالى : " وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء{[6404]} " [ آل عمران : 179 ] وقال : " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول{[6405]} " [ الجن : 26 - 27 ] . الآية{[6406]} وقيل : المراد بالمفاتح خزائن الرزق ، عن السدي والحسن . مقاتل والضحاك : خزائن الأرض . وهذا مجاز ، عبر عنها بما يتوصل إليها به . وقيل : غير هذا مما يتضمنه معنى الحديث أي عنده الآجال ووقت انقضائها . وقيل : عواقب الأعمار وخواتم الأعمال ، إلى غير هذا من الأقوال . والأول المختار . والله أعلم .
الثانية - قال علماؤنا : أضاف سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آية من كتابه إلا من اصطفى من عباده{[6407]} . فمن قال : إنه ينزل الغيث غدا وجزم فهو كافر ، أخبر عنه بأمارة ادعاها أم لا . وكذلك من قال : إنه يعلم ما في الرحم فهو كافر ، فإن لم يجزم وقال : إن النوء{[6408]} ينزل الله به الماء عادة ، وأنه سبب الماء عادة ، وأنه سبب الماء على ما قدره وسبق في علمه لم يكفر ، إلا أنه يستحب له ألا يتكلم به ، فإن فيه تشبيها بكلمة أهل الكفر ، وجهلا بلطيف حكمته ؛ لأنه ينزل متى شاء ، مرة بنوء كذا ، ومرة دون النوء ، قال الله تعالى{[6409]} : ( أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكوكب ) على ما يأتي بيانه في " الواقعة " {[6410]} إن شاء الله . قال ابن العربي : وكذلك قول الطبيب : إذا كان الثدي الأيمن مسود الحلمة فهو ذكر ، وإن كان في الثدي الأيسر فهو أنثى ، وإن كانت المرأة تجد الجنب الأيمن أثقل فالولد أنثى ، وادعى ذلك عادة لا واجبا في الخلقة لم يكفر ولم يفسق . وأما من ادعى الكسب في مستقبل العمر فهو كافر . أو أخبر عن الكوائن المجملة أو المفصلة في أن تكون قبل أن تكون فلا ريبة في كفره أيضا . فأما من أخبر عن كسوف الشمس والقمر فقد قال علماؤنا : يؤدب ولا يسجن . أما عدم تكفيره فلأن جماعة قالوا : إنه أمر يدرك بالحساب وتقدير المنازل حسب ما أخبر الله عنه من قوله : " والقمر قدرناه منازل{[6411]} " [ يس : 39 ] . وأما أدبهم فلأنهم يدخلون الشك على العامة ، إذ لا يدركون الفرق بين هذا وغيره ، فيشوشون عقائدهم ويتركون قواعدهم في اليقين فأدبوا حتى يسروا{[6412]} ذلك إذا عرفوه ولا يعلنوا به .
قلت : ومن هذا الباب أيضا{[6413]} ما جاء في صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أتى عرافا فسأله عن شيء{[6414]} لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ) . والعراف هو الحازر والمنجم الذي يدعي علم الغيب . وهي من العرافة وصاحبها عراف ، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها . وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزجر والطرق والنجوم ، وأسباب معتادة في ذلك . وهذا الفن هو العيافة ( بالياء ) . وكذا ينطلق عليها اسم الكهانة ، قاله القاضي عياض . والكهانة : ادعاء علم الغيب . قال أبو عمر بن عبدالبر في كتاب{[6415]} ( الكافي ) : من المكاسب المجتمع على تحريمها الربا ومهور البغايا والسحت والرشا وأخذ الأجرة على النياحة والغناء ، وعلى الكهانة وادعاء الغيب وأخبار السماء ، وعلى الزمر واللعب والباطل كله . قال علماؤنا : وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان بإتيان المنجمين ، والكهان لا سيما بالديار المصرية ، فقد شاع في رؤسائهم وأتباعهم وأمرائهم اتخاذ المنجمين ، بل ولقد انخدع كثير من المنتسبين للفقه والدين فجاؤوا إلى هؤلاء الكهنة والعرافين فبهرجوا عليهم بالمحال ، واستخرجوا منهم الأموال فحصلوا من أقوالهم على السراب{[6416]} والآل ، ومن أديانهم على الفساد والضلال . وكل ذلك من الكبائر ؛ لقوله عليه السلام : ( لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ) . فكيف بمن أتخذهم وأنفق عليهم معتمدا على أقوالهم . روى مسلم رحمه الله{[6417]} عن عائشة رضي الله عنها{[6418]} قالت : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أناس عن الكهان فقال : ( إنهم ليسوا بشيء ){[6419]} فقالوا : يا رسول الله ، إنهم يحدثونا أحيانا بشيء فيكون حقا ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها{[6420]} في أذن وليه قر الدجاجة{[6421]} فيخلطون معها مائة كذبة ) . قال الحميدي : ليس ليحيى{[6422]} بن عروة عن أبيه عن عائشة في الصحيح غير هذا وأخرجه البخاري أيضا{[6423]} من حديث أبي الأسود محمد بن عبدالرحمن عن عروة عن عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الملائكة تنزل في العنان ، وهو السحاب فتذكر الأمر قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم ) . وسيأتي هذا المعنى في " سبأ " إن شاء الله تعالى{[6424]} .
الثالثة - قوله تعالى : " ويعلم ما في البر والبحر " خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات المجاورة للبشر ، أي يعلم ما يهلك في البر والبحر . ويقال : يعلم ما في البر من النبات والحب والنوى ، وما في البحر من الدواب ورزق ما فيها " وما تسقط من ورقة إلا يعلمها " روى يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من زرع على الأرض ولا ثمار على الأشجار ولا حبة في ظلمات الأرض إلا عليها مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم رزق فلان بن فلان ) وذلك قوله في محكم كتابه : " وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين " . وحكى النقاش عن جعفر بن محمد أن الورقة يراد بها السقط من أولاد بني آدم ، والحبة يراد بها الذي ليس بسقط ، والرطب يراد به الحي ، واليابس يراد به الميت . قال ابن عطية : وهذا قول جار على طريقة الرموز ، ولا يصح عن جعفر بن محمد ولا ينبغي أن يلتفت إليه . وقيل : المعنى " وما تسقط من ورقة " أي من ورقة الشجر إلا يعلم متى تسقط وأين تسقط وكم تدور في الهواء ، ولا حبة إلا يعلم متى تنبت وكم تنبت ومن يأكلها ، " وظلمات الأرض " بطونها وهذا أصح ؛ فإنه موافق للحديث وهو مقتضى الآية . والله الموفق للهداية . وقيل : " في ظلمات الأرض " يعني الصخرة التي هي أسفل الأرضين السابعة . " ولا رطب ولا يابس " بالخفض عطفا على اللفظ . وقرأ ابن السميقع والحسن وغيرهما بالرفع فيهما عطفا على موضع " من ورق " ؛ ف " من " على هذا للتوكيد " إلا في كتاب مبين " أي في اللوح المحفوظ لتعتبر الملائكة بذلك ، لا أنه سبحانه كتب ذلك لنسيان يلحقه ، تعالى عن ذلك . وقيل : كتبه وهو يعلمه لتعظيم الأمر ، أي اعلموا أن هذا الذي ليس فيه ثواب ولا عقاب مكتوب ، فكيف بما فيه ثواب وعقاب .