تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِتَسۡتَبِينَ سَبِيلُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ} (55)

المفردات :

ولتستبين : ولتتضح .

سبيل المجرمين : طريق أهل الذنوب .

التفسير :

55-وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين . وضح الحق سبحانه قاعدة أساسية بالنسبة للدعاة والهداة فالناس جميعا أمام الله سواء لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أحمر إلا بالتقوى ، الناس يتفاضلون عند الله بالتقوى ويدركون ثوابه بالعمل الصالح .

وموازين الناس عند الله هي مدى اقترابهم من الحق والصدق والخير والمعروف .

وقد وضحت الآيات السابقة أن أبواب الدعوة يجب أن تظل مفتوحة أمام الجميع ، وكذلك أبواب المساجد والمعاهد والمدارس ، لا ينبغي أن يكون الفقر عائقا لصاحبه أن ينال حقه ، وأن يأخذ نصيبه .

إن هذه المبادئ التي حملها وحي السماء إلى الناس في بدء الإسلام قد أرست قيما ، وبينت أسسا من أسمى ما اهتدت إليها البشرية في تاريخها .

وهذه الآية تعقيب على ما سبق من توضيح الحقائق أمام الأغنياء والفقراء في وقت واحد ومكان واحد .

ومعنى الآية : ومثل ذلك التبيين الواضح في صفة أهل الطاعة وأهل الإجرام تبين سائر الآيات لما له من فوائد كثيرة ، ولتستبين سبيل المجرمين . أي ولأجل أن يظهر بها طريق المجرمين فعندئذ يحذرهم المسلمون ويتحاشونهم لأن طريق المجرمين غير طريق المؤمنين ، ولأن معرفة الخير لا تكفي في هذه الحياة ، بل ينبغي أن نعرف الشر حتى نحذره ، ونعرف طريق المجرمين وأعمالهم حتى نتجنب هذا الطريق .

وقد حذر القرآن الكريم من الخمر والميسر والكفر والظلم وسائر الموبقات . كما حذر من سلوك طريق المجرمين .

قال تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ويعظكم لعلكم تذكرون . ( النحل : 90 ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِتَسۡتَبِينَ سَبِيلُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ} (55)

قوله تعالى : " وكذلك نفصل الآيات " التفصيل التبيين الذي تظهر به المعاني ، والمعنى : وكما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا ومحاجتنا مع المشركين كذلك نفصل لكم الآيات في كل ما تحتاجون إليه من أمر الدين ، ونبين لكم أدلتنا وحججنا في كل حق ينكره أهل الباطل . وقال القتبي : " نفصل الآيات " نأتي بها شيئا بعد شيء ، ولا ننزلها جملة متصلة . " ولتستبين سبيل المجرمين " يقال : هذه اللام تتعلق بالفعل فأين الفعل الذي تتعلق به ؟ فقال الكوفيون : هو مقدر ، أي وكذلك نفصل الآيات لنبين لكم ولتستبين . قال النحاس : وهذا الحذف كله لا يحتاج إليه ، والتقدير : وكذلك نفصل الآيات فصلناها . وقيل : إن دخول الواو للعطف على المعنى ، أي ليظهر الحق وليستبين ، قرئ بالياء والتاء . ( سبيل ) برفع اللام ونصبها ، وقراءة التاء خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، أي ولتستبين يا محمد سبيل المجرمين . فإن قيل : فقد كان النبي عليه السلام يستبينها ؟ فالجواب عند الزجاج - أن الخطاب للنبي عليه السلام خطاب لأمته ، فالمعنى : ولتستبينوا سبيل المجرمين . فإن قيل : فلم لم يذكر سبيل المؤمنين ؟ ففي هذا جوابان ؛ أحدهما : أن يكون مثل قوله : " سرابيل تقيكم الحر " {[6391]} [ النحل : 81 ] فالمعنى ؛ وتقيكم البرد ثم حذف ؛ وكذلك يكون هذا المعنى ولتستبين سبيل المؤمنين ثم حذف . والجواب الآخر : أن يقال : استبان الشيء واستبنته ، وإذا بان سبيل المجرمين فقد بان سبيل المؤمنين . والسبيل يذكر ويؤنث ، فتميم تذكره ، وأهل الحجاز تؤنثه ، وفي التنزيل " وإن يروا سبيل الرشد{[6392]} " [ الأعراف : 146 ] مذكر " لم تصدون عن سبيل الله{[6393]} " [ آل عمران : 99 ] مؤنث ، وكذلك قرئ ( ولتستبين ) بالياء والتاء ، فالتاء خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته .


[6391]:راجع ج 10 ص 159.
[6392]:راجع ج 7 ص 282.
[6393]:راجع ج 4 ص 154.