تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا} (45)

{ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ( 45 ) ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا( 46 ) وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا( 47 ) وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا( 48 ) لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه ، مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا( 49 ) ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا( 50 ) ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ( 51 ) فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا( 52 )* وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا( 53 ) وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا( 54 ) } .

المفردات :

ألم تر : ألم تنظر .

إلى ربك : إلى صنعه .

مد : بسط

الظل : ما يحدث من مقابلة جسم كثيف ، كجبل أو بناء أو شجر للشمس ، من حين ابتداء طلوعها إلى غروبها .

ساكنا : ثابتا على حاله في الطول والامتداد ، بحيث لا يزول ولا تذهبه الشمس .

دليلا : علامة .

التفسير :

45-{ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } .

في هذه الآيات يلفت القرآن الأنظار إلى ما في الكون من دلائل القدرة والعظمة ، والعناية والرعاية ، فهذا الكون أثر قدرة الله ، خلقه الله وأمدّه بمقومات الحياة ، وجعل فيه التكامل والتعاون بين أجزائه ، ليستفيد بذلك الإنسان والحيوان والنبات ، ومن هذه النعم : نعمة الظل والشمس ، والنوم واليقظة ، والرياح والسحاب والمطر ، وإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، وتيسير الأمطار ، وتكوين البحار والأنهار ، وخلق الإنسان والحيوان والنبات ، وسائر الموجودات .

إن حركة الكون عند انقضاء الليل ، ومجيء الفجر ، ونور النهار ، تجد ظلا كاملا بين عتمة الليل المخيف ، وضوء الشمس وحرارتها اللافحة ، وعند طلوع الشمس يبدأ الظل يظهر ، ثم يتقلص قليلا قليلا .

قال في ظلال القرآن :

والظل هو ما تلقيه الأجرام من الظلمة الخفيفة ، حين تحجب أشعة الشمس في النهار ، وهو يتحرك مع حركة الأرض في مواجهة الشمس ، فتتغير أوضاعه وامتداداته وأشكاله ، والشمس تدل عليها وعليه بضوئها وحرارتها ، وتميز ساحته وامتداده وارتداده ، ومتابعة خطوات الظل في مدّه وانقباضه ، يشيع في النفس نداوة وراحة ، كما يثير فيها يقظة لطيفة شفيفة ، وهي تتبع صنع الباري اللطيف الخبير . اه .

وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم ما يأتي :

لقد نصبنا من الدلائل على التوحيد ما يهدي ذوي الألباب ، انظر إلى الظل فقد بسطه الله وجعله ساكنا أول النهار ، ثم سلّطنا الشمس تزيل منه بما يحل محله من أشعتها ، فكانت الشمس دالة عليه ، ولولاها ما عرف الظل ، ولو شاء الله لجعل الظل ساكنا مطبقا على الناس ، فتفوت مصالحهم ومرافقهم .

وفي هامش المنتخب ما يأتي :

{ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } .

هذه الآية تظهر عناية الخالق وقدرته ، فمدّ الظل يدل على دوران الأرض ، وعلى ميل محور دورانها ، ولو أن الأرض سكنت ، بحيث أنها ظلت غير متحركة حول الشمس ، وكذلك انعدام دورانها حول محورها ، لسكن الظل ، ولظلت أشعة الشمس مسلطة على نصف الأرض ، بينما يظل النصف الآخر ليلا ، مما يحدث اختلاف التوازن الحراري ، ويؤدي إلى انعدام الحياة على الأرض ، وكذلك إذا كان هذا هو حال الأرض ، فإن الظل يظل ساكنا ، وهذا أيضا يحدث إذا كانت فترة دوران الأرض حول محورها هي نفسها فترة دورانها حول الشمس ، أي أن اليوم يصبح سنة كاملة ، ولكن لا يمكن أن يفعل ذلك غير الله ، هذا فضلا عن أن الظل ذاته نعمة من نعم الله ، ولو أن الله خلق الأشياء كلها شفافة لما وجد الظل ، ولانعدمت فرص الحياة أمام الكائنات التي تحتاج إليه12 .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا} (45)

{ 45 - 46 } { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا }

أي : ألم تشاهد ببصرك وبصيرتك كمال قدرة ربك وسعة رحمته ، أنه مد على العباد الظل وذلك قبل طلوع الشمس { ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ } أي : على الظل { دَلِيلًا } فلولا وجود الشمس لما عرف الظل فإن الضد يعرف بضده .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا} (45)

ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله - تعالى - وعن جانب من الآلاء التى أنعم بها على عباده ، فإن من شأن هذه النعم المبثوثة فى هذا الكون ، أن تهدى المتفكر فيها إلى منشئها وواهبها وإلى وجوب إخلاص العبادة له ، قال - تعالى - : { أَلَمْ تَرَ . . . } .

قال القرطبى : قوله - تعالى - : { أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل . . } يجوز أن تكون هذه الرؤية من رؤية العين ، ويجوز أن تكون من العلم .

قال الحسن وقتادة وغيرهما : مد الظل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس . وحكى أبو عبيدة عن رؤبة أنه قال : " كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فىء وظل ، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل " .

والجملة الكريمة شروع فى بعض دلائل قدرته - سبحانه - وواسع رحمته ، إثر بيان جهالات المشركين ، وغفلتهم عما فى هذا الكون من آثار تدل على وحدانية الله - تعالى - .

والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والاستفهام للتقرير .

والمعنى لقد رأيت - أيها الرسول الكريم - بعينيك ، وتأملت بعقلك وبصيرتك ، فى صنع ربك الذى أحسن كل شىء خلقه ، وكيف أنه - سبحانه - مد الظل ، أى : بسطه وجعله واسعا متحركا مع حركة الأرض فى مواجهة الشمس ، وجعله مكانا يستظل فيه الناس من وهج الشمس وحرها ، فيجدون عنده الراحة بعد التعب . . . وهذا من عظيم رحمة ربك بعباده .

وقوله - تعالى - : { وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً } جملة معترضة لبيان مظهر من مظاهر قدرته - تعالى - . أى : " ولو شاء " - سبحانه - لجعل هذا الظل " ساكنا " أى : ثابتا دائما مستقرا على حالة واحدة بحيث لا تزيله الشمس ، ولا يذهب عن وجه الأرض ، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك ، لأن مصلحة خلقه ومنفعتهم فى وجوده على الطريقة التى أوجده عليها بمقتضى حكمته .

وقوله - سبحانه - : { ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً } معطوف على قوله { مَدَّ الظل } داخل فى حكمه . أى : ألم ترى إلى عجيب صنع ربك كيف مد الظل ، ثم جعلنا بقدرتنا وحكمتنا الشمس دليلا عليه ، إذ هو يزول بتسلطها عليه ويظهر عند احتجاجها عنه ، ويستدل بأحوالها على أحواله ، فهو يتبعها كما يتبع الإنسان من يدله على الشىء ، من حيث إنه يزيد كلما احتجبت عنه ، ويتقلص كلما ظهرت عليه .

قال الجمل : قوله : { ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً } أى : جعلنا الشمس بنسخها الظل عند مجيئها دالة على أن الظل شىء ، لأن الأشياء تعرف بأضدادها ، ولولا الشمس ما عرف الظل ، ولولا النور ما عرفت الظلمة . . . ولم يؤنث الدليل - وهو صفة الشمس - لأنه فى معنى الاسم ، كما يقال : الشمس برهان ، والشمس حق .