تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ} (15)

12

المفردات :

أفعيينا : أفعجزنا عن الإبداء حتى نعجز عن الإعادة ، والعيّ بالأمر العجز عنه ، والهمزة للاستفهام الإنكاري .

لبس : شك شديد ، وحيرة واختلاط .

التفسير :

15- { أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد } .

استفهام إنكاري مؤداه : هل عجزنا عن خلق الإنسان من تراب ، ثم من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة إلى أن صار خلقا آخر ، تبارك الله أحسن الخالقين الذي خلقه ؟ هل عجزنا عن خلق هذا الكون ، بكل ما فيه من سماء وأرض وفضاء ، وأنهار وأشجار وبحار ، وليل ونهار ، وشمس وقمر وكواكب ؟ هل عجزنا عن حفظ هذا الكون وتماسكه بلايين السنين ؟

وإذا كان ذلك لم يعجزنا ، فإن الإعادة أهون من البدء ، كما قال تعالى : { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه . . . } ( الروم : 27 ) .

فالله سبحانه على كل شيء قدير ، ولا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض ، وهم يسلمون بأن الخالق للكون ولآدم وذريته هو الله ، ثم يقعون بعد ذلك في الحيرة والشك والاضطراب والاختلاط ، حين يتعلق الأمر بالنشأة الآخرة والبعث بعد الموت .

جاء في الحديث القدسي الصحيح ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( يقول الله تعالى : يؤذيني ابن آدم ، يقول : لن يعيدني كما بدأني ، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته )8 .

والخلاصة :

إننا لم نعجز عن خلق هذا الكون ، وخلق الإنسان أول مرة ، وإذا لم نعجز عن البدء ، فإن الإعادة أهون من البدء ، لكن الكفار في حيرة واضطراب ، منهم من يؤمن بالبعث ، ومنهم من ينكره ، وما تكذيب المكذبين إلا من باب تقليد السابقين ، أو المكابرة والعناد ، أو الشك واللبس وعدم الاهتداء .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ} (15)

ثم استدل تعالى بالخلق الأول -وهو المنشأ الأول{[819]}  - على الخلق الآخر ، وهو النشأة الآخرة .

فكما{[820]}  أنه الذي أوجدهم بعد العدم ، كذلك يعيدهم بعد موتهم وصيرورتهم إلى [ الرفات ] والرمم ، فقال : { أَفَعَيِينَا } أي : أفعجزنا وضعفت قدرتنا { بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ } ؟ ليس الأمر كذلك ، فلم نعجز ونعي عن ذلك ، وليسوا في شك من ذلك ، وإنما هم في لبس من خلق جديد هذا الذي شكوا فيه ، والتبس عليهم أمره ، مع أنه لا محل للبس فيه ، لأن الإعادة ، أهون من الابتداء كما قال تعالى : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ }


[819]:- في ب: النشأة الأولى.
[820]:- كذا في ب، وفي أ: وأنه كما أنه
 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ} (15)

وبعد هذا العرض لمصارع المكذبين ، عادت السورة إلى تقرير الحقيقة التى كفر بها الجاهلون والجاحدون ، وهى أن البعث حق ، فقال - تعالى - : { أَفَعَيِينَا بالخلق الأول بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } والاستفهام للإِنكار والنفى ، وقوله { عَيِينَا } من العى بمعنى العجز . يقال : عَيِىَ فلان بهذا الشئ ، إذا عجز عنه ، وانقطعت حيلته فيه ، ولم يهتد إلى طريقه توصله إلى مقصوده منه .

واللبس : الخلط . يقال : لبس على فلان الأمر - من باب ضرب - إذا اشتبه واختلط عليه ، ولم يستطع التمييز بين ما هو صواب وما هو خطأ .

أى : أفعجزت قدرتنا عن خلق هؤلاء الكافرين وإيجادهم من العدم ، حتى يتوهموا أننا عاجزون عن إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم ؟

كلا إننا لم نعجز عن شئ من ذلك لأن قدرتنا لا يعجزنا شئ ، ولكن هؤلاء الكافرين لانطماس بصائرهم ، واستيلاء الشيطان عليهم ، قد صاروا فى لبس وخلط من أمرهم ، بدليل أنهم يقرون بأننا نحن الذين خلقناهم ولم يكونوا شيئا مذكورا ، ومع ذلك فهم ينكرون قدرتنا على " الخلق الجديد " أى : على إعادتهم إلى الحاية الدنيا مرة أخرى بعد موتهم .

فقوله - تعالى - : { بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } أى : بل إن هؤلاء الكافرين فى خلط وشك وحيرة من أن يكون هناك خلق جديد أى خلق مستأنف لهم بعد موتهم ، مع أنهم - لو كانوا يعقلون - لعلموا أن القادر على الخلق من العدم ، قادر على إعادة هذا المخلوق من باب أولى ، كما قال - سبحانه - : { وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ . . } قال الآلوسى : وقوله : { بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } عطف على مقدر يدل عليه ما قبله ، كأن قيل : إنهم معترفون بالأول غير منكرين قدرتنا عليه ، فلا وجه لإِنكارهم الثانى ، بل هم فى خلط وشبهة فى خلق مستأنف .

وقال بعض العلماء ما ملخصه : فى الآية أسئلة ثلاثة : لم عرف الخلق الأول ؟ ولم نكر اللبس ؟ ولم نكر الخلق الجديد ؟

وللإِجابة على ذلك نقول : عرف الخلق الأول للتعميم والتهويل والتفخيم ومنه تعريف الذكور فى قوله

{ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور } وأما التنكير فأمره منقسم ، فأحيانا يقصد به التفخيم ، من حيث ما فيه من الإِبهام . . وهو المقصود هنا من تنكير لفظ { لبس } . كأنه قيل : بل هم فى لبس أى لبس .

وأحيانا يقصد به التقليل والتهوين لأمره ، وهو المقصود هنا بقوله من { خَلْقٍ جَدِيدٍ } أى : أن هذا الخلق الجديد شئ هين بالنسبة إلى الخلق الأول ، وإن كان كل شئ هين بالنسبة إلى قدرة الله - تعالى - .