44 - بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاَء وَآبَاءهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ .
ننقصها من أطرافها : يستولي المسلمون على أطراف مكة ، ويقيمون معاهدات مع القبائل التي حولها .
إن الذي غر هؤلاء وآباءهم ، وحملهم على ما هم فيه من الضلال : أن الله تعالى من عليهم بالنعمة والمال والرخاء ، واستمروا طويلا يتمتعون بهذه النعم ، حتى طالت أعمارهم وهم في رخاء ونعمة ، فحملهم ذلك على الطغيان والبطر وظنوا أن هذه النعم لا تزول أبدا ، ولا يحرمون منها مطلقا .
أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا .
والأطراف هم الأشراف ، أي : أن الله أهلك قبلهم فرعون وهامان ، وعادا وثمودا ؛ وقرونا قبل ذلك كثيرا كانوا يتمتعون بالنعم ويكذبون الرسل فحق عليهم وعد الله ، وطواهم الزمان وأصبحوا أثرا بعد عين .
وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالأرض : أرض مكة .
وكان المسلمون قد حصنوا المدينة وما حولها ، وكانوا يرسلون السرايا والغزوات لعقد محالفات مع القبائل ، وفي كل عام من أعوام إقامته صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة ؛ يتقدم المسلمون خطوات ، وينكمش كفار مكة خطوات ؛ فقال القرآن : أفلا يشاهد هؤلاء المشركون ، أن المسلمين يتقدمون وينتصرون ويغلبون ؛ وأن الكفار ينهزمون وتنتقص أطرافهم حول مكة لحساب المسلمين .
وهذا استفهام إنكاري مؤداه ، أنكم في هزيمة مستمرة أمام الزحف الإسلامي ، بسبب كفركم وإيمانهم فتدبروا ؛ لأن الغلبة للمؤمنين ، كما قال تعالى : وإن جندنا لهم الغالبون . ( الصافات : 173 ) .
ويمكن أن يكون في الآية إشارة إلى اتساع دائرة الأرض عند خط الاستواء ، ونقصان دائرتها عند القطبين ، فالأرض دائرة كروية لكنها منبعجة عند خط الاستواء ، مفرطحة عند القطبين ، وهذا دليل قدرة الله وعظمته ، وأن حركة الكون تحت سلطانه وقدرته وغلبته .
وقد ثبت علميا الإعجاز العلمي في هذه الآية ، وأن محيط الكرة الأرضية عند خط الاستواء أطول منه عند القطبين .
وقد نزلت هذه الآية على نبي أمي ، وأظهرت الأيام إعجاز هذا القرآن .
وصدق الله العظيم : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق . . . ( فصلت : 53 ) .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعمة أخرى من نعم الله عليهم لم يحسنوا شكرها ، فقال - تعالى - : { بَلْ مَتَّعْنَا هؤلاء وَآبَآءَهُمْ حتى طَالَ عَلَيْهِمُ العمر . . . } .
أى : لا تلتفت - أيها الرسول الكريم - إلى هؤلاء المشركين الذين أعرضوا عن ذكر ربهم ، والذين زعموا أن آلهتهم تضر أو تنفع ، فإننا قد كلأناهم برعايتنا بالليل والنهار ، ومتعناهم وآباءهم من قبلهم بالكثير من متع الحياة الدنيا ، حتى طالت أعمارهم فى رخاء ونعمة ، فحملهم ذلك على الطغيان والبطر والإصرار على الكفر .
وسنأخذهم فى الوقت الذى نريده أخذ عزيز مقتدر ، فإن ما أعطيناه لهم من نعم إنما هو على سبيل الاستدراج لهم .
ثم يلفت - سبحانه - أنظارهم إلى الوقاع المشاهد فى هذه الحياة فيقول : { أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ الغالبون } .
وللعلماء فى تفسير هذه الجملة الكريمة أقوال منها : أن المراد بنقص الأرض من أطرافها : إهلاك المشركين السابقين الذين كذبوا رسلهم ، كقوم نوح وعاد وثمود ، وهم يمرون على قرى بعض هؤلاء المكذبين ، ويرون آثارهم وقد دمرت ديارهم .
والمعنى : أفلا ينظرون هؤلاء المشركون الذين كذبوك يا محمد ، فيرون بأعينهم ما حل بأمثالهم ممن كذبوا الرسل من قبلك . وكيف أننا طوينا الأرض بهم . وجعلناهم أثرا بعد عين .
والاستفهام فى قوله : { أَفَهُمُ الغالبون } للإنكار .
أى : لم تكن الغلبة والعاقبة في يوم من الأيام لمن كذبوا رسل الله - تعالى - وإنما الغلبة والظفر وحسن العاقبة لمن آمن بالرسل وصدقهم واتبع ما جاءوا به من عند ربهم .
وقد أشار الإمام ابن كثير إلى هذا المعنى بقوله : " أفلا يعتبرون نصر الله لأوليائه على أعدائه ، وإهلاكه الأمم المكذبة والقرى الظالمة وإنجائه لعباده المؤمنين . ولهذا قال : { أَفَهُمُ الغالبون } .
يعنى : بل هم المغلوبون الأسفلون الأخسرون الأرذلون .
ومنها أن المراد بنقص الأرض من أطرافها : نقص أرض الكفر ودار الحرب ، وتسليط المسلمين عليها وانتزاعها من أيديهم بدليل الاستفهام الإنكارى فى قوله { أَفَهُمُ الغالبون } أى : لا . . . ليسوا هم الذين يغلبون جندنا ، وإنما جندنا هم الغالبون .
وقد صدر الآلوسى تفسيره لهذا القول فقال : " أفلا يرون أنا تأتى الأرض " أى : أرض الكفرة " ننقصها من أطرافها " بتسليط المسلمين عليها ، وحوز ما يحوزونه منها ، ونظمه فى سلك ملكهم . . . " أفهم الغالبون " على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين .
والمراد إنكار ترتيب الغالبية على ما ذكر من نقص أرض الكفرة بتسليط المؤمنين عليها ، كأنه قيل : أبعد ظهور ما ذكر ورؤيتهم له يتوهم غلبتهم ، وفى التعريف تعريض بأن المسلمين هم المتعينون للغلبة المعروفون فيها .
وقال صاحب الكشاف : " فإن قلت : أى فائدة فى قوله { نَأْتِي الأرض } ؟ .
قلت : فيه تصوير ما كان الله يجريه على أيدى المسلمين ، وأن عساكرهم وسراياهم كانت تغرو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها ، ناقصة من أطرافها .
وهذان الرأيان مع وجاهتهما ، إلا أن الرأى الأول الذى ذهب إليه ابن كثير أكثر شمولا ، لأنه يتناول ما أصاب المكذبين للرسل السابقين من عقاب كما يشمل التهديد للمكذبين المعاصرين للعهد النبوى ، بأنهم إذا استمروا فى طغيانهم فسيحل بهم ما حل بمن سبقوهم .
وهناك من يرى أن المراد بنقص الرض من أطرافها : موت العلماء ، أو خرابها عند موت أهلها ، أو نقص الأنفس والثمرات . . . . ولكن هذه الآراء ليس معها ما يرجحها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.