6- { ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } .
لقد أراد الله –ولا راد لقضائه- أن يمكن لبني إسرائيل في أرض فلسطين وقتا ما ، ثم فتحوا فلسطين واستمر ملكهم بها فترة محدودة ، وغرق فرعون وهامان وجنودهما في ماء النيل ، وأراد الله إعزاز المؤمنين وإذلال المفسدين ، وكان فرعون يخشى من بني إسرائيل ، ويخاف من موسى وقومه ، فنصر الله موسى ، ومكّن لبني إسرائيل في الأرض ، ولم ينفع فرعون ظلمه وغشمه وقتله للأطفال الأبرياء ؛ فغرق في النيل وهلك جيشه معه . وحصل ما كان يحذره فرعون ويخاف منه ، فإن الحذر لا يمنع القدر ، قال الشاعر :
عناية الله إن تولت ضعيفا *** تعبت في مراسه الأقوياء .
وفي الأثر : عبدي ، أنت تريد وأنا أريد ، ولا يكون إلا ما أريد ، فإن سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد ، أتبعتك فيما تريد ، ولا يكون إلا ما أريد .
قال تعالى : { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون } [ الأعراف : 137 ] .
وقال سبحانه : { واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون*كم تركوا من جنات وعيون*وزروع ومقام كريم* ونعمة كانوا فيها فاكهين*كذلك وأورثناها قوما آخرين*فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين } [ الدخان : 24 -29 ] .
{ وقال جل شأنه : فأخرجناهم من جنات وعيون*وكنوز ومقام كريم*كذلك وأورثناها بني إسرائيل } [ الشعراء : 57-59 ] .
وقد ذكر المفسرون هنا أن بني إسرائيل لم يحكموا مصر ، فلعل المراد : أن الله عوضهم بما يشبه هذه النعم ، في التيه أو في فلسطين .
ثم بين - سبحانه - ما اقتضته إرادته وحكمته ، من تنفيذ وعيده فى القوم الظالمين ، مهما احتاطوا وحذروا ، ومن إنقاذه للمظلومين بعد أن أصابهم من الظلم ما أصابهم فقال : { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِي الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرض وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ } .
وقوله { نَّمُنَّ } من المن بمعنى التفضل ، ومنه قوله - تعالى - : { لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين . . . } أى : لقد تفضل عليهم ، وأحسن إليهم .
وقوله : { وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرض } من التمكين ، وأصله : أن نجعل للشىء مكانا يستقر فيه ، ويحل به .
ثم استعير للتسليط وللحصول على القوة بعد الضعف ، وللعز بعد الذل .
وقوله : { يَحْذَرُونَ } من الحذر ، بمعنى الاحتراس والاحتراز من الوقوع فى الأمر المخيف . يقال : حذر فلان فلانا ، إذا خافه واحترس منه .
قال الشوكانى : والواو ، فى قوله { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ } للعطف على جملة ، { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض } لأن بينهما تناسبا من حيث إن كل واحدة منهما ، للتفسير والبيان للنبأ . ويجوز أن تكون حالا من فاعل { يَسْتَضْعِفُ } بتقدير مبتدأ . أى : ونحن نريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض . . والأول أولى .
والمعنى : لقد طغا فرعون وبغى ، ونحن بإرادتنا وقدرتنا { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ } ونتفضل على بنى إسرائيل ، الذين استضعفوا فى الأرض ، بأن ننجيهم من ظلمه ، وننقذهم من قهره وبغيه .
{ وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين } للأرض المباركة ، التى نعطيهم إياها متى آمنوا وأصلحوا ، كما قال - تعالى - : { وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا التي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحسنى على بني إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } وقوله - تعالى - : { وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرض } أى : ونجعلهم أقوياء راسخى الأقدام فى الأرض التى نورثهم إياها ، بعد القوم الظالمين .
{ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا } أى : ونطلع فرعون وهامان - وهو وزير فرعون - وجنودهما التابعين لهما { مِنْهُمْ } أى : من بنى إسرائيل المستضعفين فى الأرض { مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ } أى ما كانوا يحاولون دفعه واتقاءه ، فقد كان فرعون وجنده يقتلون الذكور من بنى إسرائيل ، خوفا من ظهور غلام منهم يكون هلاك فرعون على يده .
قال ابن كثير : أراد فرعون بحوله وقوته ، أن ينجو من موسى . فما نفعه ذلك ، بل نفذ الله - تعالى - حكمه . بأن يكون إهلاك فرعون على يد موسى ، بل يكون هذا الغلام الذى احترزت من وجوده - يا فرعون - ، وقتلت بسببه ألوفا من الولدان ، إنما منشؤه ومرباه على فراشك وفى دارك . . . وهلاكك وهلاك جندك على يديه ، لتعلم أن رب السموات العلا ، هو القاهر الغالب العظيم ، الذى ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن .
وهكذا تعلن السورة الكريمة فى مطلعها ، أن ما أراده الله - تعالى - لا بد أن يتم ، أمام أعين فرعون وجنده ، مهما احتاطوا ومهما احترسوا ، { والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ }
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.