تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (91)

90

المفردات :

البغضاء : البغض .

ويصدكم : أي : ويمنعكم يقال صده يصده منعه عن أمر .

التفسير :

91- إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر . . . الآية . أي ما يريد الشيطان بهذه الرذائل إلا إيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين في شربهم الخمر . ولعبهم بالقمار ويصدكم عن ذر الله وعن الصلاة . أي ويمنعكم بالخمر والميسر عن ذكر الله الذي به صلاح دنياكم وآخرتكم ، وعن الصلاة التي هي عماد دينكم .

قال أبو حيان : ذكر الله تعالى في الخمر والميسر مفسدتين إحداهما دنيوية والأخرى دينية ، فأما الدنيوية فإن الخمر تثير الشرور والأحقاد وتئول بشاربها إلى التقاطع ، وأما الميسر فإن الرجل لا يزال يقامر حتى يبقى سليبا لا شيء له ، وينتهي إلى أن يقامر على أهله وولده ، وأما الدينية فالخمر لغلبة السرور والطرب بها تلهى عن ذكر الله وعن الصلاة ، والميسر – سواء كان غالبا أو مغلوبا – يلهى عن ذكر الله ( 7 ) .

فهل أنتم منتهون . وهذا الاستفهام من أشد أساليب النهي عن الخمر والميسر ، ولذلك قال عمر عندما سمعها انتهينا ربنا انتهينا .

قال أبو حيان في البحر المحيط : وهذا الاستفهام من أبلغ ما ينهى به كأنه قيل : قد تلى عليكم ما فيهما من المفاسد التي توجب الانتهاء فهل أنتم منتهمون أم باقون على حالكم ؟

في أعقاب الاية :

وردت الأحاديث الصحيحة في تحريم الخمر ومن ذلك ما يأتي :

روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( يا أيها الناس إن الله يبغض الخمر ، ولعل الله سينزل فيها أمرا ، فمن كان عنده شيء منها فليبعه ، ولينتفع به ) وما لبثوا إلا يسيرا حتى قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن الله حرم الخمر ، فمن أدركته هذه الآية يريد ( إنما الخمر والميسر ) وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبع ، فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها ) ( 8 ) .

- وروى أحمد ومسلم والنسائي ما يأتي :

لقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا يوم الفتح برواية من خمر فقال له أما علمت أن الله حرمها ؟

فأقبل الرجل على غلامه وقال له اذهب فبعها فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الذي حرم شربها حرم بيعها فأمر بها فأفرغت في البطحاء ( 9 ) .

ومن هذه الأحاديث وغيرها تقررت حرمة الانتفاع بالخمر على أي نحو من النحاء ، فيحرم أن تدخل في الطعام بأي قدر كان ، ويحرم أن يصف بها الشعر ، كما تفعله بعض السيدات ، ويحرم تقديمها في موائد المسلمين مجاملة لغير المسلمين .

المخدرات :

أن الخمر هي كل ما أسكر كما ورد . ( كل مسكر خمر وكل خمر حرام ) ( 10 ) .

إن بعض المخدرات أشد فتكا بصحة الإنسان من الخمر . ولذلك أجمع فقهاء الإسلام على حرمة المخدرات وقرروا أن استحلالها كاستحلال الخمر وجاء في كتبهم ( ويحرم أكل البنج والحشيش والأفيون لأنها مفسدة للعقل ، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويجب تعزيز آكلها بما يردعه ) .

وقال ابن تيمية ( إن فيها من المفاسد ما ليس في الخمر فهي أولى بالتحريم ، ومن استحلها ، وزعم انها حلال فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتدا ولا يصلى عليه ، ولا يدفن في مقابر المسلمين ) .

وقال ابن المقيم : ( يدخل في الخمر كل مسكر ، مائعا كان أو جامدا ، عصيرا أو مطبوخا ، واللقمة الملعونة ، لقمة الفسق والفجور التي تحرك القلب الساكن إلى أخبث الأماكن ) ويعني باللقمة الملعونة ( الحشيشة ) هذه اللقمة وغيرها من المخدرات تذهب بنخوة الرجال . وبالمعاني الفاضلة في الإنسان وتجعله غير وفي إذا عاهد ، وغير أمين إذا اؤتمن ، وغير صادق إذا حدث ، تميت فيه الشعور بالمسؤولية ، والشعور بالكرامة .

وثبت طيبا أن للمخدرات الحديثة كالكوكايين والهروين والأقراص المصنعة آثارا قوية على المخ وسائر ملكات الإنسان ، بل فيها قتل معنوي ، وسحق للقيم وهي تشمت بنا الأعداء ، وتحزن الأصدقاء .

ويمكن التغلب عليها بالإيمان واليقين الصادق بالله وباليوم الآخر ، وبقوة العزيمة ، ومعونة الأطباء والعلماء .

يجب أن يقوم البيت بواجبه في رعاية الفتيان والفتيات ، ويجب أن تقوم وسائل الإعلام بالتوعية الحقيقية ، وأن ينهض المسجد والمدرسة والأجهزة المعنية برعاية المدمنين وتوجيههم ، والأخذ بيدهم إلى الشفاء ، يجب تحذير الجميع من هذه المخدرات ومن تناولها مطلقا فإن المرة الأولى يمكن أن تجر صاحبها إلى الإدمان ، وإلى العجز التام عن العودة إلى الجادة والاستقامة ، ولقد سبق القرآن إلى تحريم الخمر ، وهي كل ما خامر العقل وستره سواء أكان خمرا . أم أي صنف من المخدرات وجب علينا أن نستجيب لأمر الله ففيه الحياة الحقيقية قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم . ( الأنفال : 24 ) . وقال سبحانه : يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث . ( الأعراف : 157 ) . وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في الصدور وكرهت أن يطلع عليه الناس )( 11 ) .

ولم تظهر هذه المخدرات في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإنما ظهرت مع سقوط بغداد في يد التتار سنة 656 ه ، وأفتى العلماء بتحريمها لأنها تفسد العقل وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، بل هي أشد فتكا بالجسم والعقل من الخمر .

وقد جاء الإسلام ليحافظ على العقول ، وجعل العقل واللب والفؤاد والقلب أسمى أدوات الخطاب وأوجب علينا التفكر والتدبر ، وحرم الغفلة والضياع . قال تعالى : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة . ( البقرة : 190 ) وقال سبحانه : ولا تقتلوا أنفسكم ( النساء : 29 ) .

وروى ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لعن الله الخمر وشاربها ، وساقيها وبائعها ، ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها ، وآكل ثمنها ، وحاملها والمحمولة إليه ) ( 12 ) .

المخدرات وباء فتاك :

إن مما يدعو للحزن والأسف أن يتهافت الشباب على هذه المخدرات ويدعي أن تحريمها لم يذكر في القرآن الكريم وهذه المخدرات قتل معنوي للإنسان خصوصا الهروين والكوكايين ففي الشمة الأولى يفقد المخ 33% من مقوماته ، وفي الشمة الثانية يفقد المخ 66% من مقوماته وفي الشمة الثالثة يفقد المخ 99% من مقوماته ويصبح المدمن آلة في يد الإدمان ، وهذا قتل وتدمير لكرامة الإنسان قال تعالى : ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا . ( الإسراء : 70 ) . وفي القرآن الكريم : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة . ( البقرة : 195 ) .

إن هذه المخدرات هلاك لجيل من الشباب والفتيان والفتيات ، وعدوان على مستقبل الأمة ، وامتهان لكرامة الوطن والمواطن ، لأن المدمن لا يستطيع أن يضبط عمله ولا أن يصون نفسه ، ولا أن يدافع عن وطنه وفي الحديث الشريف ( البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في الصدور وكرهت أن يطلع عليه الناس ) ( 13 ) .

إذا ثبت ان المخدرات ضارة بالصحة وبالعقل والتفكير وجب الابتعاد عنها تماما كما أمر الله بالابتعاد عن الخمر لأنها تستر العقل ، والمخدرات تستر العقل وتفسد المخ فهي أشد ضررا من الخمر ، وكل ما ثبت ضرره وجب تركه من أصول الدين ( لا ضرر ولا ضرار ) ( 14 ) فترك الضرر واجب شرعا ، والإقلاع عن المخدرات واجتنابها نهائيا واجب شرعا ، ومقصد من مقاصد الشريعة حفاظا على أنفسنا وعلى أمتنا قال تعالى :

ولا تقتلوا أنفسكم . . . . . . . ( النساء : 29 ) .

من وسائل العلاج :

إن الابتعاد عن المخدرات لا يكفي معه الكلام أو النصح بل يحتاج إلى خطة متكاملة حتى يصبح البعد عن الإيمان سلوكا عاما .

وهذا السلوك يحتاج إلى تكاتف المختصين بالأمر من أطباء الصحة وعلماء النفس والتربية والاجتماع والإعلام والصحافة وخبراء التربية الإسلامية ، والدينية .

إن قيام المسجد والكنيسة وسائر دور العبادة بالدور المطلوب منها ، وبالواجب المنوط بها ، سيؤدي إلى استقرار حكم التحريم لهذه المخدرات ، ومن الواجب أن تتسع صدورنا لمناقشة المدمن ، وتشجيعه على الاعتراف والحديث ؛ فهو مريض يحتاج إلى العلاج ، قبل أن يحتاج إلى الفتوى ومن العلاج أن نحترم إنسانيته وأن نفتح أمامه باب التوبة والأمل ، حتى يتغلب على اليأس والإحباط .

كما ينبغي للأسرة أن تتقبل المدمن ، وأن تتكاتف في رعايته حتى يقلع عن الإدمان .

ويجب العناية بدو الاستشفاء والعلاج من الإدمان ، وتزويد هذه الدور بالمتخصصين ، لأنها استثمار حقيقي للإنسان وقد خلق الله الكون كله من أجل الإنسان ، وسخر له الشمس والقمر والليل والنهار ، والسماء والأرض ، واستخلف الإنسان في عمارة الكون ، وإصلاح الحياة ، والمؤمن الصالح أهل للخلافة في هذه الأرض ، ولا صلاح إلا بالاستقامة والجد والعمل والأمل .

قال تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا . . . . . . ( الكهف : 30 ) .

قال تعالى : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون . ( الأنبياء : 105 )

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (91)

ثم أكد سبحانه تحريم الخمر والميسر ببيان مفاسدهما الدنيوية والدينية فقال تعالى { إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء فِي الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } .

أي : إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان } بتزيينه المنكرات لكم { أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء } بأن يقطع ما بينكم من صلات ، ويثير في نفوسكم الأحقاد والضغائن ، بسبب تعاطيكم للخمر والميسر ، وذلك لأن شارب الخمر إذا ما استولت الخمر على عقله أزالت رشده ، وأفقدته وعيه ، وتجعله قد يسيء إلى من أحسن إليه ، ويعتدي على صديقه وجليسه . وذلك يورث أشد ألوان العداوة والبغضاء بين الناس .

ولأن متعاطي الميسر كثيراً ما يخسر ماله على مائدة الميسر . والمال كما نعلم شقيق الروح ، فإذا ما خسره هذا المقامر صار عدوا لمن سلب ماله منه عند المقامرة ، وأصبح يضمر له السوء . وقد يؤدي به الحال إلى قتله حتى يشفي غيظه منه ، لأنه قد جعله فقيراً بائساً مجرداً من أمواله بعد أن كان مالكها وفي ذلك ما فيه من تولد العداوة والبغضاء وإيقاد نار الفتن والشرور بين الناس .

فقوله تعالى : { إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء فِي الخمر والميسر } إشارة إلى مفاسدهما الدنيوية .

أما مفاسدهما الدينية فقد أشار إليها سبحانه بقوله : { وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة } .

أي : ويريد الشيطان أيضاً بسبب تعاطيكم للخمر والميسر - أن يصدكم أي يشغلكم ويمنعكم { عَن ذِكْرِ الله } أي : عن طاعته ومراقبته والتقرب إليه { وَعَنِ الصلاة } التي هي الركن الثاني من أركان الإِسلام .

وذلك لأن شارب الخمر يمنعه ما حل به من نشوة كاذبة ، ومن فقدان لرشده عن طاعة الله وعن أداء ما أوجبه عليه من صلاة وغيرها .

ولأن متعاطي الميسر ببسب استحلاله لكسب المال عن هذا الطريق الخبيث ، ويسبب فقدانه للعاطفة الدينية السليمة صار لا يفكر في القيام بما أوجبه الله عليه من عبادات .

ورحم الله الآلوسي ، فقد قال عنده تفسيره لهذه الآية : ووجه صد الشيطان لهم عن ذكر الله وعن الصلاة بسبب تعاطيهم للخمر لغلبة السرور بها والطرب على النفوس . والاستغراق في الملاذ الجسمانية ، تلهى عن ذكر الله - تعالى - وعن الصلاة .

وأن الميسر إن كان اللاعب به غالباً ، انشرحت نفسه ، وصده بحب الغلب والقهر والكسب عما ذكر ، وإن كان مغلوبا حصل له من الانقباض والقهر ما يحثه على الاحتيال لأن يصير غالبا فلا يخطر بقلبه غير ذلك .

وقد شاهدنا كثيراً ممن يلعب بالشطرنج يجري بينهم من اللجاج والحلف الكاذب والغفلة عن ذكر الله تعالى ما ينفر منه الفيل وتكبو له الفرس ويحار لشناعته الفهم وتسود رقعة الأعمال .

وجمع - سبحانه - الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام في الآية في الآية الأولى ثم أفردهما بالذكر في هذه الآية ، لأن الخطاب للمؤمنين ، والمقصود نيهم عن الخمر والميسر ، وإظهار أن هذه الأربعة متقاربة في القبح والمفسدة ، أي أن مجيء الأنصاب والأزلام مع الخمر والميسر إنما هو لتقبيح تعاطيهما ، وتأكيد حرمتهما ، حتى لكأن متعاطي الخمر والميسر يفعل أفعال أهل الجاهلية ، وأهل الشرك بالله - تعالى - وكأنه - كما يقول الزمخشري - : لا مباينة بين من عبد صنما وأشرك بالله في علم الغيب ، وبين من شرب خمراً أو قامر .

وخص الصلاة بالذكر مع أنها لون من ألوان ذكر الله ، تعظيما لشأنها ، كما هو الحال في ذكر الخاص بعد العام ، وإشعارا بأن الصاد عنها كالصاد عن الإِيمان ، لما أنها عماد الدين والفارق بين المسلم وبين الكافر .

والاستفهام في قوله { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } لإِنكار استمرارهم على الخمر والميسر بعد أن بين لهم ما بين من مضارهما الدنيوية والدينية ولحضهم على ترك تعاطيهما فورا ، أي : انتهوا سريعاً عنهما فقد بينت لكم ما يدعو إلى ذلك . ولقد لبى الصحابة - رضي الله عنهم - هذا الأمر فقالوا : " انتهينا يا رب ؛ انتهينا يا رب " .