الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{لَخَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَكۡبَرُ مِنۡ خَلۡقِ ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} (57)

( لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ ) أعظم ( مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ) يعني إعادتهم بعد الموت . وقال أكثر المفسرين : يعني من خلق الدجال ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) يعني اليهود الذين يخاصمون المؤمنين في أمر الدجال .

أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد الثقفي حدثني موسى بن محمد بن علي بن عبد الله ، أخبرنا أبو شعيب الحَرَّني{[21]} أخبرنا يحيى بن عبد الله أخبرنا الأوزاعي أخبرنا قتادة أخبرنا شهر ابن حوشب حدثتني أسماء بنت يزيد بن السكن –وهي بنت عم معاذ- قالت : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم طائفة من أصحابه فذكروا الدجال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن قبل خروجه ثلاث سنين : أول سنة تمسك السماء ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها ، والسنة الثانية تمسك السماء ثلثي قطرها ، وتمسك الأرض ثلثي نباتها ، والسنة الثالثة تمسك السماء ما فيها والأرض ما فيها ، ويهلك كل ذات ضرس وظلف " {[22]} .

وأخبرنا الحسين بن محمد أخبرنا عمر بن الخطاب أخبرنا عبد الله بن الفضل بن داجرة أخبرنا أحمد بن وردان أخبرنا ضمرة بن ربيعة أخبرنا يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن عمرو ابن عبد الله الخضرمي عن أبي أمامة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، وكان أكثر خطبته أن يحدثنا عن الدجال ، ويحذرنا ، فكان من قوله : " يا أيها الناس إنه لم تكن فتنة في الأرض أعظم من فتنة الدجال ، وأن الله تعالى لم يبعث نبياً إلا حذره أمته ، وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم ، فهو خارج فيكم لا محالة فإن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيج كل مسلم وإن يخرج بعدي فكل امرئ حجيج نفسه ، والله خليفتي على كل مسلم ، إنه يخرج بين حلتين بين العراق والشام ، فيبعث يميناً وشمالاً ، فيا عباد الله أنيبوا ، فإنه يبدأ فيقول أنا نبي ، ولا نبي بعدي ، ثم يثنى فيقول أنا ربكم ، فلن تروا ربكم حتى تموتوا ، وإنه أعور ، وليس ربكم بأعور وإنه مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كل مؤمن ، فمن لقيه منكم فليتفل في وجهه ، وإن من فتنته أن معه ناراً وجنة فناره جنة ، وجنته نار ، فمن ابتلى بناره فليقرأ بفواتح سورة الكهف ، ويستغيث بالله فتكون عليه برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم عليه السلام ، وإن من فتنته أن معه شياطين تتمثل على صورة الناس فيأتي الأعرابي فيقول : إن بعثت لك أباك وأمك أتشهد أني ربك ؟ فيقول : نعم ، فتتمثل له شياطينه على صورة أبيه وأمه ، فيقولان يا بني اتبعه فإنه ربك ، ومن فتنته أنه يسلط على نفس فيقتلها ثم يحييها ، فيقول لها : من ربك ؟ فيقول : ربي الله ، وأنت الدجال عدو الله ، ولن تعود لها بعد ذلك ولن يصنع ذلك بنفس غيرها ، فيقول : انظروا إلى عبدي هذا ، فإني بعثته الآن ويزعم أن له رباً غيري " .

قال ضمرة : وسمعت أن النفس التي يُسلط عليها إلياس عليه السلام .

وقال ضمرة : وسمعت مقاتل ابن سليمان يقول : الرجل الذي يسلط عليه الدجال رجل من خثعم فيبعثه الله ، فيقول : من ربك ؟ فيقول ربي الله ، وأنت الدجال عدو الله .

وإن من فتنته أن يقول للأعرابي : أرأيت إن بعثت لك إبلك أتشهد أني ربك ؟ فيقول : نعم ، فتتمثل له الشياطين على صورة إبله .

وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر ، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت .

وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبوه فلا تبقى له سائمة إلا هلكت ، ويمر بالحي فيصدقوه فيأمر السماء أن تمطر فتمطر ، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت ، فتروح لهم مواشيهم من يومهم ذلك أعظم ما كانت وأسمنه وأمده خواصر ، وأدره ضروعاً .

وإن أيامه أربعون يوماً ، فيوم كالسنة ويوم دون ذلك ، ويوم كالشهر ، ويوم دون ذلك ، ويوم كالجمعة ، ويوم دون ذلك ، ويوم كاليوم ، ويوم دون ذلك ، وآخر أيامه كالشررة في الحديدة فيصبح الرجل بباب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى تغرب الشمس .

فقالوا : يا رسول الله كيف نصلي في تلك الأيام القصار ؟ قال : " تقدرون فيها كما تقدرون في هذه الأيام الطوال ، ثم تصلون ، أنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وغلب عليه إلا مكة والمدينة ، فإنه لا يأتيهما من نقب من أنقابهما إلا لقيه ملك مسلط السيف حتى ينزل الضريب الأحمر عند مجتمع السيول عند منقطع السبخة ، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه ، تنفى المدينة يومئذ الخبث كما ينفى الكبر خبث الحديد ، يدعى ذلك اليوم يوم الخلاص " .

قالت أم شريك : يا رسول الله أين الناس يومئذ ؟ قال : " ببيت المقدس ، ثم يخرج حتى يحاصرهم ، وإمام الناس يومئذ رجل صالح ، فيقول له : صل الصبح ، فإذا كبَّر ودخل في الصلاة نزل عيسى ابن مريم عليه السلام ، فإذا رآه ذلك الرجل عرفه ، فرجع يمشي القهقري فيتقدم عيسى عليه السلام فيضع يده بين كتفيه فيقول : صلِّ فإنما أقيمت لك الصلاة ، فيصلي عيسى عليه السلام وراءه ، ثم يقول : افتحوا الباب فيفتحون الباب ، ومع الدجال يومئذ سبعون ألف يهودي كلهم ذوو سلاح وسيف محلى فإذا نظر إلى عيسى عليه السلام ذاب كما يذوب الرصاص في النار أو الملح في الماء ، ثم يخرج هؤلاء فيقول عيسى عليه السلام فيقول : إن لي فيك ضربة لن تفوتني فيدركه عند باب لُدّ الشرقي فلا يبقى شيء مما خلق الله تعالى يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء ولا شجر ولا حجر ، ولا دابة إلا قال : يا عبد الله المسلم هذا كافر فاقتله إلا الغرقد فإنها من شجرهم ، فلا تنطق فيكون عيسى عليه السلام حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً ، فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويترك الصدقة ولا يسعى على شاة ولا بقرة ، ترفع الشحناء والتباغض وتنزع حُمة كل دابة حتى يُدخل الوليد يده في الحنش فلا يضره ، ويلقى الوليد الأسد فلا يضره ، ويكون في الإبل كأنه كلبها ، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها ، وتملأ الأرض من الإسلام ويسلب الكفار ملكهم ، ولا يكون الملك إلا للإسلام ، وتكون الأرض كصفا تور الفضة تنبت نباتها كما كانت على عهد آدم عليه السلام ويجتمع النفر على الرمانة ، وتكون الفرس بالدريهمات ، ويكون الثور بالدراهم الكثيرة " {[23]} .

وأخبرني ابن فنجويه أخبرنا ابن حمدان أخبرنا المسوحي أخبرنا سهل بن عثمان أخبرنا ابن أبي زائدة ، وعبد الرحمن عن مجالد عن الشعبي قال : كنية الدجال أبو يوسف .


[21]:كذا في المتن: "الخراساني" والتصويب من الهامش. وهو عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب ولد سنة (206)، وقيل عاش مائة وعشرين سنة.
[22]:هذا الحديث أخرجه أحمد في مسنده (6/503) عن جرير بن حازم عن قتادة، ومما قيل في ترجمته هو مستقيم الحديث صالح فيه إلا روايته عمن قتادة فإنه يروى عنه أشياء لا يرويها غيره. وقيل أيضاً كان كثير الغلط، وقيل أيضاً اختلط بآخره. والحديث في مسند أحمد بأتم مما هنا.
[23]:أخرج هذا الحديث ابن خزيمة، والحاكم، ابن ماجه في سننه (4077) وفي إسناده هذا ممن لم أقف لهم على ترجمة.