التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{ٱنظُرۡ كَيۡفَ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ وَلَلۡأٓخِرَةُ أَكۡبَرُ دَرَجَٰتٖ وَأَكۡبَرُ تَفۡضِيلٗا} (21)

ثم أمر - سبحانه - عباده بالنظر والتأمل فى أحوال خلقه ، ليزدادوا عظة وعبرة ، فقال : { انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً } .

أى : انظر - أيها العاقل - نظر تأمل وتدبر واعتبار فى أحوال الناس ، لترى عن طريق المشاهدة كيف فضل الله - تعالى - بعض الناس على بعض فى هذه الحياة ، فهذا غنى وذاك فقير ، وهذا قوى وذاك ضعيف ، وهذا ذكى وذاك خامل ، وهذا مالك وذاك مملوك .

إلى غير ذلك من الأحوال التى تدل على تفاوت الناس فى هذه الدنيا ، على حسب ما تقتضيه إرادة الله - تعالى - وحكمته ، ومشيئته .

أما فى الآخرة فالناس فيها أكبر تفاضلا وتفاوتا فى الدرجات والمنازل ، مما كانوا عليه فى الدنيا .

قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : وقوله : { وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً } أى : ولتفاوتهم فى الدار الآخرة أكبر من الدنيا ، فإن منهم من يكون فى الدركات فى جهنم وسلاسلها وأغلالها ، ومنهم من يكون فى الدرجات العلا ونعيمها وسرورها . ثم أهل الدركات يتفاوتون فيما هم فيه ، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون ، فإن فى الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض . وفى الصحيحين : " إن أهل الدرجات العلا ليرون أهل عليين ، كما ترون الكوكب الغابر فى أفق السماء " .

وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت لنا سنة من سنن الله - تعالى - فى إهلاك الأمم ، وأنه - تعالى - ما أهلكها إلا بعد أن عتت عن أمره ، وعصت رسله ، كما أنها بينت لنا سوء عاقبة الذين يؤثرون متع الدنيا على طاعة الله - تعالى - ، وحسن عاقبة الذين يريدون الآخرة وما فيها من ثواب جزيل ، وأن الفريقين لا ينالون مما يطلبونه إلا ما قدره الله - تعالى - لهم ، وأن عطاءه للناس جميعا لا ينقص مما عنده شيئا ، وأن حكمته - سبحانه - قد اقتضت تفضيل بعض الناس على بعض فى الدنيا والآخرة ، وصدق - عز وجل - حيث يقول : { انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً } .

قال الإِمام الرازى ما ملخصه : بعد أن بين - سبحانه - أن الناس فريقان : فريق يريد بعمله الدنيا فقط ، وفريق يريد بعمله طاعة الله ، ثم شرط ذلك بشرائط ثلاثة : أولها : إرادة الآخرة ، وثانيها : أن يسعى سعيا موافقا لطلب الآخرة ، وثالثها : أن يكون مؤمنا .

لا جرم فصل فى هذه الآيات تلك المجملات : فبدأ أولا بشرح حقيقة الإِيمان . . . ثم ذكر عقبيه سائر الأعمال . . . .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱنظُرۡ كَيۡفَ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ وَلَلۡأٓخِرَةُ أَكۡبَرُ دَرَجَٰتٖ وَأَكۡبَرُ تَفۡضِيلٗا} (21)

قوله : ( انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ) كيف في موضع نصب بالفعل ( فضلنا ) {[2660]} فضل الله بعض الناس على بعض في الرزق ، وفي غيره من مركبات الحياة الدنيا كالقوة والضعف ، والصحة والسقم ، وطول العمر وقصره ؛ فالناس في ذلك كله متفاوتون مثلما تقتضيه مشيئة الله وحكمته . أما أرزاق العباد ؛ فإنها تتفاوت بينهم بالنظر للتفاوت في القدرات والطاقات . وإنما تتحصل الأرزاق بفعل الجهود والنشاطات المبذولة . وهذه بين الناس متفاوتة تفاوتا ظاهرا ؛ فهم ما بين باذل كادح نشيط ، إلى قاعد متخاذل متثاقل . ومن ذكي فطن نبيه إلى غبي بليد أحمق . ومن محترٍّ متحفز غيور ، إلى فاتر باهت معزول . وباختلاف هاتيك القدرات والاستعدادات يختلف التحصيل لدى الناس ، وكذلك تختلف الأرزاق ليكون الناس بين مقلّ ومُكثر ، أو مفتقر وموسر . قال ابن كثير رحمه الله في كيفية التفضيل في الرزق بين العباد في الدنيا : فمنهم الغني والفقير وبين ذلك . والحسن والقبيح وبين ذلك . ومن يموت صغيرا ومن يعمر حتى يبقى شيخا كبيرا ، وبين ذلك .

قوله : ( وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) ( درجات ) ، منصوب على التمييز . وكذلك تفضيلا{[2661]} ، وذلك تأكيد على أن التفاوت في الآخرة بين العباد أكبر مما في الدنيا . فمن الناس يوم القيامة من يكون في عليين . ومنهم من يكون أسفل سافلين . حتى أهل الدرجات في الجنة يتفاوتون في منازلهم ، فمنهم الأعلون في الفردوس ، ومنهم دون ذلك ، وإن كانوا جميعا في درجات النعيم . وكذلك أهل الدركات في النار تتفاوت أحوالهم في العذاب بين شديد حارق ، أو أشد احترارا وتحريقا . فكلا الفريقين متفاوتون .


[2660]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 88.
[2661]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 88.