التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِيُرۡضُوكُمۡ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ} (62)

ثم حكى القرآن بعد ذلك لوناً من جبنهم وعجزهم من مصارحة المؤمنين بالحقائق ، فقال - سبحانه - : { يَحْلِفُونَ بالله . . . الخزي العظيم } .

قال القرطبى : روى قوماً من المنافقين اجتمعوا ، وفيهم غلاما من الأنصار يدعى عامر بن قيس ، فحقروه تكلموا فقالوا : إن كان ما يقوله محمد حقاً لنحن شر من الحمير . فغضب الغلام وقال : والله إن ما يقوله محمد - صلى الله عليه وسلم لحق ، ولأنتم شر من الحمير . ثم أخبر النبى - صلى الله عليه وسلم - بقولهم فحلفوا إن عامرا كاذب .

فقال عامر : هم الكذبة ، وحلف على ذلك وقال : اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين صدق الصادق وكذب الكاذب . فأنزل الله هذه الآية .

فقوله - سبحانه - : { يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ } خطاب للمؤمنين الذين كان المنافقون يذكرونهم بالسوء ، ثم يأتون إليهم بعد ذلك معتذرين .

أى : إن هؤلاء المافقين يحلفون بالله لكم - أيها المؤمنون - ليرضوكم ، فتطمئنوا إليهم ، وتقبلوا معاذيرهم .

قال أبو السعود : وإفراد إرضائهم بالتعليل مع أن عمدة أغراضهم إرضاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - للإِيذان بأن ذلك بمعز عن أن يكون وسيلة لإرضائه ، وأنه - عليه الصلاة والسلام - إنما لم يكذبهم رفقا بهم ، وسترا لعيوبهم ، لا عن رضا بما فعلوا ، وقبول قلبى لما قالوا . .

وقوله : { والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } جملة حالية في محل نصب من ضمير " يحلفون " جئ بها لتوبيخهم على إيثارهم رضا الناس على رضا الله ورسوله .

أى : هم يحلفون لكم ، والحال أن رسوله أحق بالإِرضاء منكم لأن الله - تعالى هو خالقهم ورازقهم ومالك أمرهم ، وهو العليم بما ظهر وبطن من أحوالهم . ولأن رسوله - صلى الله عليه وسلم - هو المبلغ لوحيه - عز وجل - .

قال صاحب المنار ما ملخصه : وكان الظاهر أن يقال : " يرضوهما " ونكتة العدول عنه إلى " يرضوه " : الإِعلام بأن إرضاء رسوله عين إرضائه سبحانه . . وهذا من بلاغة القرآن في نفس الإيجاز . ولو قال " يرضوهما " لما أفاد هذا المعنى ؛ إذ يجوز في نفس العبارة أن يكون إرضاء كل منهما في غير ما يكون به إرضاء الآخر ، وهو خلاف المراد هنا ، وكذلك لو قيل : " والله أحق أن يرضوه ، ورسوله أحق أن يرضوه " لا يفيد هذا المعنى أيضاً وفيه ما فيه من الركاكة والتطويل . .

وقد خرجه علماء النحو على قواعدهم . . وأقرب الأقوال إلأى قواعدهم قول سيبويه : إن الكلام جملتان حذف خبر إحداهما لدلالة خبر الأخرى عليه ، كقول الشاعر :

نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأى مختلف . . . فهذا لا تكلف فيه من ناحية التركيب العربى ، ولكن تفوت به النكتة الى ذكرناها . . .

وقوله : { إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ } تذييل قصد به بيان أن الإِيمان الحق لا يتم إلا بإرضاء الله ورسوله عن طريق طاعتهما والانقياد لأوامرهما .

أى : إن كانوا مؤمنين حقاً ، فليعملوا على إرضاء الله ورسوله ، بأن يطيعوا أوامرهما ، ويجتنبوا نواهيهما ، وإلا كانوا كاذبين في دعواهم الإِيمان

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِيُرۡضُوكُمۡ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ} (62)

قوله تعالى : { يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين 62 ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم } روي أن رجلا من المنافقين قال : والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرفنا وإن كان ما يقول محمد حقا لهم شر من الحمير ، فسمعها رجل من المسلمين ، فقال : والله إن ما يقول محمد لحق ولأنت أشر من الحمار ، فسعى بها الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال : ( ما حملك على الذي قلت ؟ ) فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك ، وجعل الرجل المسلم يقول : اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب ، فأنزل الله : { يحلفون بالله لكم } الآية .

وقيل : خرج المنافقون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك وكانوا إذا خلا بعضهم ببعض سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وطعنوا في الدين ، فنقل حذيفة ما قالوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أهل النفاق ما هذا الذي بلغني عنكم ، فحلفوا ما قالوا شيئا من ذلك ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذابا لهم{[1835]} .

والمعنى : أن هؤلاء المنافقين يحلفون لكم أيها المؤمنون بالله لترضوا عنهم ولتصدقوهم فيما أنكروه وكذبوه مما نسب إليهم من إيذاء وطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقد حلفوا الأيمان الفاجرة أنهم ما قالوا شيئا مما نسب إليهم ، وأنهم على دينكم وهم معكم على من خالفكم . وهم في الحقيقة إنما يبتغون بذلك إرضاءكم أنتم غير عابئين بكونهم كاذبين فاسقين .

قوله : { والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين } لفظ الجلالة مبتدأ . وخبره { أحق } . والتقدير : والله أحق أن يرضوه ، ورسوله أحق أن يرضوه{[1836]} ؛ أي أن الله أحق أن يبتغوا رضوانه بالتوبة إليه والإنابة مما اقترفوه من الكذب والباطل على رسول الله إن كانوا صادقين مصدقين بالله ورسوله وما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحق .


[1835]:تفسير ابن كثير جـ 2 ص 366 وأسباب النزول للنيسابوري ص 168.
[1836]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 401.